Article
Arab Media Identity : Between the Reality of Cultural Specificity and the Challenges of Cultural Globalization
1* Dr. Mostafa Ben Allal Lamret
Researcher in Media, Communication, and Journalism Studies
Department of Media and Strategic Communication, Faculty of Arts and Humanities,
Mohammed First University - Oujda – Morocco
الهوية الإعلامية العربية: بين واقع الخصوصية الثقافية وتحديات العولمة الثقافية
1* د. مصطفى بن علال المريط
باحث في علوم الإعلام والاتصال والصحافة، شعبة علوم الإعلام والتواصل الاستراتيجي، كلية الآداب، جامعة محمد الأول بوجدة، المملكة المغربية.
* Corresponding author. E-mail address: Lamret.mostafa@gmail.com
Article history | ||
Received: 15 - 12 - 2025 | Accepted: 13 - 2 - 2026 | Published: 1 - 3 - 2026 |
الملخص: ينطلق هذا البحث من رؤية فلسفية تستند إلى الحتمية الثقافية، وتعتبر أن الإعلام والاتصال جوهرا النهوض الحضاري ومحركا التنمية؛ حيث لم تعد الوسائل الإعلامية والاتصالية مجرد أدوات نقل محايدة، بل هي مختبر حقيقي ورمزي لتشكيل الوعي وصياغة الهوية والاندماج الاجتماعي. ومن منظور سوسيو-أنثروبولوجي، تتلاشى الحدود بين أنماط البرامج الإعلامية، لتصبح كل مادة تُبث هي في جوهرها فعل ثقافي يجسد هوية الفرد ومصيره المجتمعي .بيد أن هذا الدور التنموي يواجه اليوم تحديات وجودية تفرضها "الحتمية التقنية" وتجليات العولمة, فالحلم بالقرية الكونية الذي بشر به "ماكلوهان" يوشك أن يستحيل كابوسا يهدد بتمزيق الروابط الإنسانية وتذويب الخصوصيات الثقافية لصالح إنسان "الحداثة السائلة"؛ ذلك الكائن المغترب الذي يعيش بلا هوية محددة في فضاء شبكي يمحو تمايزات الزمان والمكان.
في خضم هذا "الطوفان التقني"، يجد الإعلام العربي نفسه في صراع مرير بين مطرقة التحول الرقمي القسري وسطوة الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، وسندان الرغبة في صون الكينونة الحضارية، يهدف اجتهاد التنظير في مجالاته من خلال القراءة النقدية إلى محاولة تأسيس نظريات ومشاريع قيمية بديلة. يسعى البحث، عبر منهج تحليلي نقدي، للإجابة عن إشكالية التحول من منطق "صناعة الثقافة" إلى أفق "التنمية الثقافية". ويطرح تساؤلا جوهريا: إلى أي مدى يمتلك الإعلام العربي هوية أصيلة ومائزة قادرة على المقاومة وحماية القيم الأصيلة من الانصهار في بوتقة "العبودية الرقمية" وثقافة الاستهلاك والتفاهة التي تروج لها العولمة عامة والعولمة الثقافية خاصة؟
الكلمات المفتاحية الاتصال الإعلامي، البراديغم، التنمية الثقافية، الثقافة، الهوية. |
Abstract: This research originates from a philosophical vision grounded in cultural determinism, positing that media and communication are the core of civilizational advancement and the primary engines of development. Within this framework, media and communication outlets are no longer viewed as mere neutral transmission tools, but rather as real and symbolic laboratories for shaping consciousness, constructing identity, and fostering social integration. From a socio-anthropological perspective, the boundaries between media genres dissolve, rendering every broadcasted content an inherently cultural act that embodies both individual identity and societal destiny. However, this developmental role currently faces existential challenges imposed by "technological determinism" and the diverse manifestations of globalization. The dream of the "Global Village" envisioned by Marshall McLuhan is on the verge of transforming into a nightmare that threatens to dismantle human bonds and dissolve cultural specificities in favor of the "Liquid Modernity" subject—an alienated being existing without a defined identity within a networked space that erases the distinctions of time and space.
Amidst this "technological deluge", Arab media finds itself in a bitter struggle between the pressures of forced digital transformation and the hegemony of algorithms and artificial intelligence on one hand, and the imperative to preserve civilizational being on the other. Through a critical reading, theoretical endeavors in this field aim to establish alternative value-based theories and projects. Utilizing an analytical-critical approach, this research seeks to address the problematic shift from the logic of the "Culture Industry" to the horizon of "Cultural Development." It poses a fundamental question: To what extent does Arab media possess an authentic and distinctive identity capable of resisting and protecting core values from dissolving into the crucible of "digital slavery" and the culture of consumption and triviality promoted by globalization in general, and cultural globalization in particular?
Keywords: Cultural Development, Culture, Identity, Media Communication, Paradigm. |
- المقدمة:
أنطلق في بحثي الذي أقارب فيه تأرجح الهوية الإعلامية العربية بين مكسب الخصوصية المميزة، ومخاطر العولمة الثقافية، من مقولات نظرية وواقعية مؤطرة: الأولى؛ براديغم التعقيد كأساس نظري لكل تحليل ونقد، أي أن كل ظاهرة اجتماعية وظاهرة تاريخية، وكل فاعلية إنسانية لا بد أن تستند إلى أصول بنيوية "تحتية" (العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية)، وأسس رمزية "فوقية" (عوامل ثقافية ونفسية وقيمية)؛ الثانية؛ أن مسألة التنمية والنهوض الحضاري هي عملية تواصلية بامتياز، وأن التعرض إلى وسائل الإعلام والاتصال يحقق للأفراد تغييرات معرفية ووجدانية أو قيمية وسلوكية تشكل مصدرا للفعل الاجتماعي والاندماج الهوياتي؛ الثالثة؛ أن مفهوم الهوية مفهوم رجراج نتبنى فيه تصور أليكس ميكشيللي (Alex Mucchielli) الذي يرى أنها نسق متكامل من المعطيات المادية والنفسية والمعنوية والاجتماعية المتكاملة، التي تجعل من الشخص متميزا عمن سواه، ويشعر بوحدته الذاتية. فهي: مركب من العناصر المرجعية المادية والاجتماعية والذاتية المصطفاة التي تسمح بتعريف خاص لفاعل اجتماعي. والهوية، بالنسبة للفاعل الاجتماعي: مركب من العمليات والطروحات المتكاملة، التي تفسر العالم وتمنح الكائن الاجتماعي التماسك والتوجه الدينامي على نحو شمولي، والاحساس بالهوية إلى عناصره الحسية الأولية والتي تتمثل في الإحساس المادي، والإحساس بالانتماء، والتماسك، والاستمرارية الزمنية، والاختلاف، والتقدير، والاستقلال والثقة.
هذا، وتتركز المقولة الرابعة حول الهويات التي قد تعاني من أزمات عندما يتغير الوسط الاجتماعي، وهو تغير قد يحدث عفوياً، وقد تأخذ الاضطرابات التي تصيب الهوية هيئة مشكلات نفسية بالنسبة للأفراد والجماعات والمجتمعات الانسانية. وفي أية محاولة علاجية تتبدى أولاً أهمية وعي الحالة المعلنة الوعي عبر التفكير في الإكراهات الحادثة، والاحتجاجات خلال الاحساس بالاضطرابات القائمة.. وعندما يتعلق الأمر بالمجتمعات التي توجد في حالة أزمة، تتصف هذه المرحلة بالتعقيد والصعوبة، وذلك لأنها تُبرز إلى الوجود مناحي الضعف الخاصة بنواة الهوية الثقافية المشتركة.. وتبين التباعد القائم بين العناصر المحددة للهوية المثالية. ولحل هذه الأزمة يتطلب الأمر عملية بناء برنامج من النشاطات التي تسمح بتطوير الهوية انطلاقاً من ضبط العلاقة بين الاكراهات الخارجية والقدرات الداخلية، والغايات المرغوبة، وعبرها تجري عملية التدريب التي تهدف إلى تحقيق التوازن والتكامل في الهوية (ميكشيللي، 1993، الصفحات 169-172).
أما المقولة الخامسة فمفادها أن وسائل الإعلام والاتصال يفترض أنها قنوات لتصريف الخطاب الثقافي القيمي، ومرايا تعكس صورة الثقافة، بينما تتجسد الثقافة كغاية يحققها الاتصال الإعلامي بوصفها آلية من آليات التنشئة الاجتماعية؛ لذلك فالرهان التنموي التغييري بالاستناد إلى وسائل الإعلام والاتصال، يرى أنه لا مناص للوسيلة من أن تخضع للغاية المنشودة فرديا ومجتمعيا؛ في حين تشير المقولة السادسة إلى أن كل البرامج والمواد والمضامين الإعلامية والاتصالية المعروضة على الجمهور هي ثقافية، فليس هناك حد فاصل بين البرامج المسماة ثقافية أو وثائقية أو تعليمية أو غيرها من البرامج الإعلامية؛ إذ يمكن للبرامج الترفيهية –مثلا- أن تتضمن محتويات واتجاهات ثقافية معينة، وهي "المسلمة" التي تمتح من رؤية سوسيو- أنثروبولوجية مرجعية للثقافة تعتبر أن الثقافة هي كل ما ينتجه أو يكتسبه الفرد بوصفه عضوا في مجتمع، وأن الثقافة هي هوية الإنسان ومصيره، والخاصية التي نقلته من حالة الطبيعة إلى حالة المدنية حسب فلاسفة العقد الاجتماعي.
مُستنَد المقولات و"المسلمات" السابقة أن جل البحوث والدراسات ذات الصلة بالإعلام والاتصال توصلت إلى التأكيد على أن العلاقة التي تربط هذه المتغيرات بالتغير الاجتماعي أكبر من أن تتحدد بين تابع ومتبوع، بل هي علاقة وثيقة، إنها علاقة تكاملية حيث يحضر الأخذ والعطاء الدائمين. فوسائل الإعلام والاتصال يمكن لها أن تمثل مصدرا لا ينضب لترسيخ الهوية العربية لتغذية الثقافة بالحقائق والموضوعات والمعلومات والقيم والسلوكيات، ليقوم بتشكيلها وصياغتها في مواد إعلامية مختلفة الأشكال والأجيال تتوزع بين المقروء أو المسموع أو المرئي أو التفاعلي.
غير أن الحتمية التقنية (التكنولوجية) والعولمة بشتى تجلياتها، والإعلامية والاتصالية منها خاصة، والتي بشر بها مشروع مارشال ماكلوهان (Marshall McLuhan) التي تجتاح واقعنا حاليا، تسعى إلى تحقيق حلم يُحَوَّل فيه العالم إلى قرية كونية، وهو ما يعني انمحاء الروابط الثقافية، وتراجع التمايزات المحلية، وتصدع الصلات الاجتماعية والإنسانية لصالح فرد كوكبي واحد ومُوَحَّد. بهذا التسارع التقني الشبكي وما يصحبه من تحولات متسارعة للفرد وللمجتمع ستذوب كل الهويات، وستنهار فيه كل حواجز الزمان والمكان، ومسافات الواقع والخيال؛ مجتمع الحداثة السائلة الذي يصف زيجمونت باومان (zygmunt Bauman) إنسانه بإنسان بلا روابط إنسانية، وبلا هوية محددة. يوشك أن يتحول هذا الحلم إلى كابوس حقيقي مؤرق للحضارة الإنسانية، فإنسان هذه الحضارة لن يقدس شيئا حتى نفسه أو عقله كما كان سابقا، ولن يعادي الدين والقيم والأخلاق فقط؛ بل سيعادي إنسانية الإنسان ذاته، وسيفاقم من اغتراب متعدد الأبعاد، وسيهدم كل أسس هوية الإنسان المميزة عن بقية الكائنات الأخرى، كما راكمتها الإنسانية إلى حدود الآن.
في ظل هذا الواقع المتوجس من طوفان التقنية وأجيالها المتعاقبة والُمحَسَّنة وما تحمله من قيم السوق والاستهلاك والسيولة، وشبح مستقبل مظلم من فقدان الكينونة الخاصة، يصارع الإعلام العربي بقاءه الهوياتي بين تحديات تحول رقمي قسري، وحلولية ذكاء اصطناعي مبرمج، وديكتاتورية خوارزميات مُوَّجهة من جهة، من غايات وتطلعات للحفاظ على هوية مميزة تمس حاله ومآله الوجودي من جهة ثانية.
من هذا المنطلق النظري والواقعي؛ سيحاول هذا البحث بمنهج تحليلي ونقدي، بالبحث في التراث النظري المتراكم، ليصل إلى خلاصات تركيبية وتصنيفية كيفية عامة، يمكن بناء عليها استشراف أطر نظرية ومنهجية بديلة ورهانات إنسانية مستقبلية، هذا المنهج يستند لما يسمى في أدبيات البحث العلمي النقدي إلى أسلوب التحليل من العتبة الثانية (Secondary Analysis) أو إعادة التحليل (Re-analysis)، بغية الإجابة عن الإشكال الآتي: كيف تحول الرهان على وسائل الإعلام والاتصال في الوطن العربي من أجل التنمية والتغير الاجتماعي من منظور صناعة الثقافة إلى منظور التنمية الثقافية؟ وإذا كانت القيم تشكل جوهر ثقافة أي مجتمع، فهي التي تسهم في التغير الاجتماعي، وتحدد وتنظم النشاط الاجتماعي لأفراده كافة، وهي التي تشكل أساسا لا محيد عنه للاهتمامات والاتجاهات والأفكار والمعتقدات من جهة، وللمخططات وللمشاريع التنموية التي يدعمها ويروج لها الخطاب من جهة أخرى، وإلى أي حد يمكن للإعلام العربي أن يقاوم مآلات وجودية ستنتهي به إلى فقدان الهوية وذوبانها لفائدة ثقافة عولمية تحكمها قيم الاستهلاك والتفاهة، وتحركها خيوط كونية للعبودية الرقمية، وتحكم خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي واكتساح الذكاء الاصطناعي لجميع أبعاد الإنسان الوجودية؟
1- الهوية الإعلامية وسؤال الثقافة: تجاذبات نظرية في سياق الخصوصية الثقافية:
يكشف استقراء علاقة وسائل الإعلام والاتصال الحديثة بالتغير الاجتماعي عن فشل مجموعة من النظريات الاتصالية والإعلامية المنتجة في الممارسة الواقعية لتنمية بلدان العالم الثالث، ومنها جل الدول العربية والإسلامية، فعلى مستوى السياسات الإعلامية والاتصالية في البلدان النامية في منتصف القرن الماضي فإن النظريات الأكثر تأثيرا هي نظريات دانييل ليرنر(Daniel Lerner) عن التحديث، ونظرية إيفرت روجرز (Everett Rogers) عن نشر الأفكار المستحدثة، ونظرية ولبر شرام (Wilbur Schramm) ولوسيان باي (Lucien Pye) وغيرها. هذه النظريات الغربية المنشأ، والتي وإن تباينت رؤاها بأشكال وصيغ نقدية تراكمية وتجاوزية؛ إلا أن جميعها يتأسس تصريحا أو تضمينا على أن آليات اشتغال الاتصال الإعلامي التنموي تكمن في الحث على تبني قيم عصرية جديدة وترويجها لتثبيتها وتوطينها في البيئة المستهدفة، وتشجيع تجديد القيم والتقاليد القديمة مؤقتا للتخلي عنها في مرحلة آتية، لأنها -في زعمهم- عوائق تنموية عجزت عن تحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي المنشودين.
واكبت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) هذا التوجه التنموي النقدي الجديد منذ بداياته، وجعلت من هذه النظريات برامج عملية لسياستها الإعلامية والاتصالية، ووجهت الدول النامية المتعطشة للتنمية إلى اقتناء المزيد من التقنية بهدف تحقيق التنمية، ولو أنه في بعض الحالات بمسوغات مختلفة كما أشار إلى ذلك إلياهو كاتز وجورج ويدل (Elihu Katz, George Wedell)، منها البحـث فـي هـذه البرامج عـن التميز والنجوميـة والاحتفـال بالأعيـاد الوطنيـة، أو تغطيـة المؤتمـرات السياسيـة، أو السيطـرة علـى الـرأي العـام والدعايـة وغيرها (Katz & Wedell, 1979, pp. 322-324).
إلا أنه سرعان ما ظهرت اتجاهات نظرية نقدية أخرى بديلة أعادت النظر في وظائف وسائل الإعلام والاتصال الحديثة، بعد أن بدأت أصوات تتعالى مع بدايات السبعينات من القرن الماضي، بانتقاد النـزعة الاقتصادية المادية المهيمنة على النموذج التنموي المنشود. فعلى المستوى الرسمي تم التعبير، لأول مرة بصفة صريحة، عن فكرة التنمية الثقافية للشعوب والدول أثناء انعقاد المؤتمر الدولي حول السياسات الثقافية الذي نظمته اليونسكو بالبندقية في عام (1970م) (Unesco, 1981, p. 347). وعلى المستوى العلمي والأكاديمي، وعلى غرار نموذج التخلف والتبعية، ظهر اتجاه نظري جديد ينتقد النماذج المهيمنة في الإعلام والاتصال، ويطرح مفاهيم جديدة لم تستعمل من قبل كالتبعية الثقافية وإمبريالية وسائل الاتصال وتدفقها الدولي والغزو الثقافي وغيرها. وكان من بين اهتمامات هذه المناظير النقدية الجديدة دراسة ونقد فرضيات النماذج الإعلامية والاتصالية المهيمنة وأطروحاتها المنبثقة من رحم المركزية الغربية. وبما أن بحوث "الانتشار" شكلت الجانب الأكبر من دراسات نموذج الإعلام التنموي وهويته، فقد نالت من هذه الانتقادات الحيز الأكبر.
وفي السياق نفسه وجه أصحاب الاتجاه النقدي سهام النقد لبحوث "الانتشار" لأنها في تقديرهم تنظر إلى الإعلام والاتصال والتنمية من منظور السيرورة الزمنية الخطية التي تتدخل فيها عوامل تاريخية تمتد على مدى زمني يشمل الماضي والحاضر والمستقبل. ولأنها تركز على الحاضر وتغفل الماضي وأثره في الحاضر. لهذا وصف بيتير كولدينغ (Peter Golding) جل هذه السياسات والنظريات الاتصالية والإعلامية بمفهوم "اللاتاريخية" لأنها تنظر إلى البلدان النامية كأنها في عزلة إحصائية، تحتاج فقط إلى حافز خارجي (الأفكار والتقنيات الغربية) ليدفع بها إلى اللحاق بالقرن العشرين. كما تميل إلى تصور مستقبل البلدان النامية بمنـزلة صيغة مصغرة أكبر لحاضرها (Goldin, 1974, pp. 39-53).
افترضت دراسات وبحوث "الانتشار" التي شكلت هوية جل التجارب الإعلامية والاتصالية العربية في رحلة بداياتها التأسيسية أن المعتقدات والاتجاهات الفردية هي مصدر الفعل الاجتماعي الفعال، غير أنها أغفلت كونها نتاجا خالصا لها، وليست سببا رئيسا في خلق الظروف الاقتصادية المواتية، والعلاقات المهيمنة السائدة في البلدان النامية. ومالت إلى إغفال دور البنيات الاجتماعية، ودور الجماعات المهيمنة، معتقدة أنها لا تمثل أية إشكالية، وليست لها صلة بالعملية الإعلامية والاتصالية، فألقت "اللوم على الفرد" بدل "لوم النظام"، وتناست أن الفرد لا يوجد في فراغ اجتماعي، وإنما داخل بنية اجتماعية يرتبط أفرادها بقنوات اتصال، وبعلاقات اجتماعية (Goldin, 1974, pp. 39-53).
وعلى النقيض من ذلك ركز الاتجاه النقدي على نقد "الإمبريالية الاتصالية" بعولمتها الثقافية لدعم أطاريحه، وتحسيس القائمين بالاتصال في البلدان النامية بمخاطر الاستيراد الجاهز لوسائل الإعلام والاتصال الغربية، وأهمية سؤال الهوية والخصوصية الثقافية في عملية التنمية، مركزين على دور العوامل الداخلية الذاتية في ظاهرة "امبريالية وسائل الاتصال" والسياسات الإعلامية والاتصالية للدول، لأن الدولة- مثلا- قد تستطيع إيقاف استيراد المنتوجات الثقافية والاتصالية المتعارضة مع ثقافتها. وفي واقع الأمر فرواد هذا الاتجاه يتجاهلون القيود التي تفرضها الدولة بالرسوم الجمركية والرقابة على وجه الخصوص. كما أن تحليلاتهم النقدية المعممة بقيت على الرغم من ذلك مهمشة لخصوصيات هذه المجتمعات، ما جعل مقاربتها تجانب الموضوعية والحياد لتباين السياقات الثقافية والاجتماعية؛ فقد اقتصروا على تعميم التأثير على مستوى المناطق الحضرية فقط، وتجاهلوا إبراز إمكانية وجود تأثيرات إيجابية للمنتوجات الغربية الثقافية.
فشلت "الوصفات" التنموية المقدمة للبلدان النامية، ومنها الدول العربية، من أجل تحديث سريع للبنيات الاجتماعية والثقافية لأسباب عدة منها: لم يستطع النموذجان المهيمنان خلال النصف الثاني من القرن الماضي (الانتشاري والنقدي) تفسير موضوعيا لأسباب التخلف من جهة، ولا تقديم حلول ناجعة لمشكلاته لكونهما أغفلا تباين الخصوصيات الثقافية والسياقات الاجتماعية، كما أن رؤيتهما للتحديث والرهان على التقدم السريع اختزالية وتبسيطية عندما حددا نقطة وصول ونهاية ومسارا وحيدا خطيا لبلوغ التنمية ينبغي على كل البلدان النامية أن تتبعه لكي تصبح متقدمة على غرار النموذج الغربي، وهي كلها أطروحات قاصرة بالنظر إلى الطبيعة البنيوية المعقدة والمركبة للمشكلة، والتي تعود أيضا إلى عوامل داخلية أغفلها نموذج التبعية الإمبريالية الثقافية والإمبريالية الإعلامية، النموذج التنموي النقيض، الذين استندوا إلى تتبع العوامل الخارجية لفهم ظاهرة التخلف، والرهان الإيديولوجي على قطيعة نهائية مع النظام الاقتصادي الرأسمالي السائد، ولذلك انحسرت هذه النماذج بعد سقوط جدار برلين في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات من القرن الماضي، واتجهت الجهود النظرية إلى البحث عن تفسيرات نقدية بديلة ستتأسس على مفاهيم جديدة مثل: التنمية المستدامة، والتنمية البشرية، والعولمة، وما بعد الحداثة، ومجتمع المعرفة، والمجتمع الشبكي، والتمكين، والحقوق الثقافية، وحقوق الأقليات، والنوع الاجتماعي، وغيرها.
تتطلع هذه النظريات النقدية إلى أن مفتاح التنمية في العالم الثالث يكمن في العودة إلى الثقافات التقليدية لهذه الدول، لذا دعا باحثو هذا التيار إلى إحداث تكامل بين أنماط الاتصال التقليدية ووسائل الإعلام والاتصال الحديثة لضمان النجاح الأكبر للخطاب التنموي. ورغم تعدد النماذج والتوجهات المتعلقة بدور وسائل الإعلام والاتصال في التنمية إلا أن نموذج التحديث أضحى هو المهيمن على دراسات وتوجهات باحثي الإعلام والتنمية والحكومات والوكالات الدولية وغيرها، وما زال حلم اللحاق بالدول الصناعية الكبرى طموح معظم الحكومات التي تستورد على سبيل المثال ما بين (40%) و(60%) من البرامج الإذاعية والتليفزيونية من الدول المتقدمة (السماسيري، 2008، صفحة 78).
تنبه المقاربات النقدية إلى المخاطر المحدقة بالمجتمعات الإنسانية، بما فيها المجتمعات العربية "التقليدية"، نتيجة تزايد وثيرة الاختراق الثقافي، والسماح لرياح العولمة بالمرور بانتشار قيم ثقافية بديلة تقوم على الاستهلاك والتنميط والقولبة وتسليع الثقافة. وتعرضت الرؤى والمقاربات النظرية الأولى المؤسسة للتنمية الثقافية في الفكر الغربي هي الأخرى بدورها، لقراءات ومراجعات نقدية، عندما نظرت إلى هذه الوسائل بوصفها مصدرا للعنف الرمزي، وأدوات للتسلط والسيطرة. والحقيقة أن هذه الرؤى النقدية ترتد إلى المدرسة النقدية بمختلف أجيالها، ففلاسفة مدرسة فرانكفورت الذين يستوحون رؤيتهم من فلسفة ماركسية متجددة وفي قطيعة مع الفلسفة الماركسية التقليدية، قد أبدوا، من منفاهم من الولايات المتحدة، قلقهم على مستقبل الثقافة، منذ الأربعينات من القرن الماضي. وبعد عشرين سنة، ولدت الحركة البنيوية في فرنسا، معارضة المنهج التجريبي (الإمبريقي) بإعادة اكتشاف الإيديولوجيا (ماتلار و ماتلار، 2005، صفحة 85). وبموازاة ذلك ستتأسس مدرسة التحليل الثقافي العام (Cultural Generic Analysis) في رحاب مركز الدراسات الثقافية المعاصرة بجامعة بيرمينغهام في بريطانيا عام (1964م)، ومن أبرز أعلامها: ريتشارد هوغارت (Richard Hoggart)، وإدوارد بالمر تومسون (Edward Palmer Thompson)، وستيوارت هال وريموند ويليامز الذي ربط بين الثقافة والإعلام في خضم تحليله معنى الثقافة ووظيفتها المجتمعية والتنموية؛ بوصفها نماذج نقدية لمفهوم الثقافة (المريط و آخرون، 2015، الصفحات 213-288).
لقد نبهت حنا أراندت (Hannah Arendt) عام 1972م إلى أزمة الثقافة (Arendt, 1972)، بتعارض الثقافة الجماهيرية المهيمنة، ثقافة وسائل الإعلام والاتصال الحديثة، التي تنتمي إلى فضاء الترفيه والتسلية والتفاهة، مع الثقافة السامية والمتعالية (Cultivée/ Savante). فالثقافة الأولى؛ الثقافة المثقفة والمحررة للوعي حيث يوجد السمو الذي يضمن للثقافة وضعها الحقيقي كتجربة أصيلة. أما الثقافة الثانية؛ ثقافة الاغتراب ففيها يفقد السمو مما يحولها إلى ثقافة مزيفة ومشوهة. فالثقافة من وجهة نظرها تعاني خطر انحلالها في الترفيه، لأن وسائل التسلية تدمر الثقافة، فلتوليد الرفاهية تغير المواضيع الثقافية لإقناع الجماهير بأن (هامليت Hamlet) مثلا قد تكون مسلية مثل (ماي فير لادي My Fair Laidy)، ولماذا لا تكون تربوية مثلها أيضا. وهي الأطروحة نفسها التي عبر عنها في عام (1987م) ألان فينكلكراوت (Alain Finkielkraut) في كتابه "هزيمة الفكر"، ففي نظره، إن وسائل الاتصال، الخاضعة لقوانين السوق تدعم النسبية الناهشة أو المدمرة: كل الأمور تتساوى. إذن لا شيء له قيمة، سواء كان إسحاق ستيرن (Isaac Stern) والبيتلز (Beatles)، شكسبير (Shakespeare) وتوب 50 (Top50) (بال، 2008، الصفحات 122-123).
تحولت الثقافة التي كان ينظر إليها كبنية اجتماعية متعالية إلى صناعة مادية بسبب الثورة والإعلامية والاتصالية بمختلف تجلياتها، فأصبحت تخضع بدورها لقانون العرض والطلب التجاريين، وتتجاذبها ثلاثة قوى: المثقفون حجاج القيم؛ والتجار الذين يتاجرون بالأفكار والآراء والأعمال الثقافية؛ وأخيرا الوسطاء كرجال وسائل الإعلام والاتصال، وفي مقدمتهم الصحافيون المنتدبون لأداء دور الوساطة، ومن البديهي قيام علاقات تحالف وتنافس تتوثق وتنحل باستمرار. وهكذا في المجتمع الاتصالي تُلعب الحياة الثقافية بين ثلاثة قوى، ويجب بذل الجهد لمنع أحد اللاعبين من السيطرة على الآخرين أو الخضوع لسيطرتهما (بال، 2008، صفحة 125). ويبدو هذا الأمر جليا في نموذج الصناعة السينمائية؛ إذ تستحوذ الشركات الهوليودية العملاقة على حصص وإيرادات السوق العالمية للسينما، واضحت مثلا فرص السينما الهندية لتعريف الخارج على الهند بصورة أفضل هي بين أيدي الوسطاء التجاريين، مثلما تتعلق شروط الإبداع وإبداعية الأعمال الثقافية، التي تحملها أو تنقلها وسائل الاتصال، باستعداد الناشرين لإيجاد توازن عادل بين موهبة المؤلفين وشهرتهم (بال، 2008، الصفحات 139-140).
ومن نماذج هذه النظريات النقدية المنبثقة الجديدة ما أصبح يسمى بالتنمية الثقافية التي عرفت بأنها: ليست مجرد أداة أو وسيلة لإحراز التنمية الاقتصادية؛ كما أنها ليست مجرد محاكاة لنموذج ثقافي مثالي مفترض. إنها العمل اليومي من أجل تلبية الحاجات الروحية والنفسية والثقافية المتنوعة للإنسان، وتوفير الشروط المعنوية الضرورية لإسعاده. ولا يمكن أن يتأتى ذلك إلا في إطار مجتمع متسامح وتعددي، يرعى التنوع والاختلاف، ويفتح المجال أمام ثقافات الشعب ولغاته لتقوم بأدوارها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الطبيعية، والإسهام في عمليات الخلق والإبداع في مختلف مجالات الحياة. فمن المعلوم أن المشاركة الجماعية في تدبير الشؤون المحلية، مثلا، وهي جزء من موروثنا الثقافي القبلي الثقافي التقليدي، كانت دائما أفضل السبل لابتكار أنجع الحلول لمشاكل المجتمع وقضاياه (أقفلي، 2006، صفحة 96).
ووضعت النظريات المؤطرة للتنمية الثقافية مجموعة من المقومات والشروط والمداخل الاتصالية والإعلامية الفعالة والناجعة؛ منها:
توفير شروط الإنتاج الثقافي، ودعم وسائل نشره، وتعميمها، وتوزيعها بالعدل بين المؤسسات الثقافية المختلفة الموجودة داخل المجتمع الواحد.
تشجيع الفاعلين الثقافيين في مختلف مجالات الإبداع الثقافي (الشعر، والنثر، والموسيقى، والرقص، والرسم، والنحت وغيرها)، دون تفضيل ولا تمييز حسب الانتماء الاجتماعي أو الاثني أو اللغوي.
توفير فرص التواصل والاحتكاك بين الثقافات الفرعية المكونة للثقافة الوطنية؛ حتى تتمكن من إخصاب وتلقيح بعضها البعض. ومعلوم أن هذه الدينامية الثقافية الداخلية وحدها هي التي تولد شروط الإنتاج الثقافي الوطني القادر على خوض غمار المنافسة العالمية (أقفلي، 2006، صفحة 75).
ويبقى رهان التنمية الثقافية، كما تم الترويج له واستشراف مستقبله من طرف منظريه والمدافعين عنه، هو بناء الوعي الثقافي للأفراد وتجديده بالنظر إلى دوره الأساس في التنمية بشقيها المادي والمعنوي المتفاعلان المتكاملان بشكل وثيق في الممارسة الاجتماعية، في حيز زماني ومكاني ديمقراطي، بإحلال القيم الإيجابية التي تعلي من قيمة الإنسان كغاية في حد ذاته، وتلغي كل ممارسة تعتبره وسيلة بيد شخص أو هيئات أو فكر معين، وقيمة العدالة الاجتماعية، لزيادة معدلات المشاركة التنموية الاجتماعية والسياسية، وتحفيز الأفراد لمزيد من الفعالية والإنتاج الاقتصادي.
فعلى مستوى التأسيس النظري لموضوع التنمية الثقافية في الفكر الغربي يتم النظر إليها في ضوء مجموعة مختلفة من المقاربات أبرزها: المقاربة الاقتصادية (L’approche économiste) حيث تخضع قيمة المنتوج الثقافي لقانون العرض والطلب التجاري؛ والمقاربة المعيارية (L’approche normative) حيث تقاس التنمية الثقافية بثقافة نموذجية معيار تفصل بين الثقافات الراقية والثقافات المتقدمة برؤيتين متقابلتين: تقليدية أو تغريبية؛ والمقاربة الوظيفية (L’approche fonctionnaliste) التي تنظر للثقافة من زاوية الوظائف التي تطلع بها.
نجح الغرب في الاختراق الثقافي لثقافات الشعوب الأخرى، ولسياسات دولها الإعلامية، ويعزى سبب ذلك فيه إلى تفوقه التقني، وتفوقه في توظيفها في ميدان الثقافة، وهي حضارية المبنى والمعنى لا تقل أهمية وتأثيرا عن الثورة الصناعية، أو عن الثورة السياسية، أو عن ثورة عصر الأنوار الفكرية. فهي التي أتاحت له – ولأول مرة في التاريخ- أن يخوض حروبه من بعيد دون أن يعرض قواته للخطر؛ وأتاحت له أن ينشر ويعمم نظام القيم لديه، ومشروعه الحضاري، من دون أن يحشد جيوشه لاحتلال البلد المستهدف، ومنه- المغامرة بدفع كلفة تحقيق ذلك الهدف (بلقزيز و آخرون، 1997، صفحة 227).
كما نجح النظام الإعلامي والاتصالي الجديد للغرب تبعا لذلك في أن ينقل عبر الانترنيت، وقبله عبر الأقمار الصناعية قيمه ورموزه وصوره إلى كل بقاع العالم عبر السماء المفتوحة بقنواتها الفضائية المرئية والمسموعة. وفي الحالين، كان ثمن ذلك هو انهيار الأمن الثقافي لدى مجتمعات –نحن منها- لم يعد لها ما تقاوم به، بعد الغزو العسكري والاقتصادي وبعد الهيمنة السياسية، سوى التقانة والرموز هذه التي تتعرض قدرتها الاستراتيجية اليوم للتآكل (بلقزيز و آخرون، 1997، صفحة 230). وبالعودة إلى أطاريح النظرية النقدية لفرانكفورت فإن الاتصال الإعلامي أحدث تأثيرات المعيارية والاستهلاكية في المجتمع المعاصر، وتعني المعيارية في هذا السياق دلالة متميزة عن استعمالها الدلالي في منهج الدراسة السابق، فهي تعني قولبة الثقافة (Standardization) بوضعها في شكل بضائع متجانسة قابلة للاستهلاك العام، فالعناصر الثقافية التي لا تتوافق مع ما هو معيار تستثنى ولا تسوق بناء على ذلك، الشيء الذي يضعف التنوع الثقافي عامة. أما الاستهلاكية فتتجلى في الدور الذي تمارسه وسائل الاتصال في إحداث أو تعزيز النـزعة المادية بترويج عملية بيع السلع والخدمات بصفة مباشرة عبر الإعلان، أو بصفة غير مباشرة عبر أنماط الحياة التي توردها الأفلام والمسلسلات (عزي، 2009، صفحة 119).
اكتسحت قيم الاستهلاك كل المواد الإعلامية والاتصالية، بما فيها البرامج الإخبارية التي طغت عليها الحاجة للترفيه والوثائقيات التليفزيونية، التي أضحت برامج سطحية لا تتناول قضايا جادة أو خطيرة مقارنة مع عشرين أو ثلاثين سنة خلت (بيرغر، 2012، صفحة 103). وأصبحت وسائل الإعلام والاتصال تفضل نوعية من المفكرين السريعين (Fast Thinkers) الذين يقدمون غذاء ثقافيا على السريع (Fast Food Culturel)، وهو نوع من التغذية التي تم إعدادها مسبقا، وتم التفكير فيها مقدما (بورديو، 2004، صفحة 67). كما تمكن الاتصال الإعلامي من تسطيح المعرفة وجمهرتها بتركيزه على مخاطبة مشاعر الجمهور ورغباته أكثر من تركيزه على مخاطبة عقله ومنطقه، وهو ما يقلل من إدراكه لواقعه ولحقائق محيطه. والجمهرة كمفهوم ملازم لوسائل الإعلام الجماهيرية ومحاولات التنميط وصناعة الرغبات الاستهلاكية هي محاولة لكسب الجمهور الواسع على حساب النوعية، فالثقافة ارتقاء، أما ما تبثه وسائل الاتصال على وجه الخصوص المسموعة والمرئية، فإنه ثقافة تسمى بالثقافة الجماهيرية. وتعني الثقافة الجماهيرية تلك الثقافة التي تنتجها وسائل الاتصال كالمسلسلات والأفلام والإعلان وغيرها، الساعية إلى التأثير الدعائي وإحداث احتياجات وهمية أو حقيقة لدى الجمهور الواسع. وتتأثر هذه الثقافة في دلالتها كلما كان الهدف الوصول إلى الجماهير بالعامل التجاري الهادف إلى استمالة الجمهور وإرضائه بغض النظر عن طبيعة المحتوى الذي عادة ما يتوجه إلى الرغبات الآنية والغرائز، فيكون الجمهور وسعته أساس نجاح البرامج لا المحتوى في حد ذاته (عزي، 2009، صفحة 117).
وثقافة وسائل الإعلام والاتصال التي يتم الترويج لها وغرسها هي في مجملها ثقافة معلومات عشوائية ومتباينة مقدمة للمتلقي بدون ترابط منطقي، ولا تسهم في بناء معرفة حقيقية، ويكون مآلها النسيان السريع. وقد أطلق عليها الباحث الفرنسي أبراهام مولس (Abraham Moles) لقب ثقافة الفسيفساء (La culture en mosaïque) (Abraham Moles, 1967, p. 68)، وألفين توفلر(Alvin Toffler) لقب ثقافة الصورة الانعكاسية (Blip culture)، ذلك أنه على المستوى الفردي، يتعرض، كل فرد منا للهجوم الخاطف والحصار من قبل شظايا خيالات متناقضة غير مترابطة، تهز أفكارنا القديمة عن عروشها، وتطلق النار علينا على شكل "الصور الانعكاسية" المحطمة والمشوشة (توفلر، 1990، صفحة 180). وينتج عن ثقافة الفسيفساء هذه مزيج أو خليط غير متجانس يعزز شعور الفرد بأن الحياة مجزأة ومشوشة وتفتقر إلى التماسك، وهي الاستعارة المهيمنة لفهم الثقافة الأمريكية المعاصرة التي تعزز إحساس ما بعد الحداثة (بيرغر، 2012، صفحة 104).
ويبقى أن الافتراض الأساس في نظريات الإعلام التنموي التي أطرت الهوية الإعلامية العربية في القرن الماضي هو أن مسألة التنمية عملية اتصالية بامتياز، وأن التعرض إلى هذه الوسائل والوسائط يحقق للأفراد تغييرات معرفية وسلوكية تشكل مصدرا للفعل الاجتماعي وتغيره. وهذا التصور لدور وسائل الاتصال كان جزءا من التصور العام الذي ساد في الستينات بالبلدان الغربية. ولم تسلم هذه الرؤية الجديدة للتنمية من انتقادات إلا أنها لم تنل من أهميتها في توجيه الاهتمام إلى أحد الجوانب المهمشة واللامفكر فيها، وهو دور الثقافة والقيم الحاسم، بجوانبها المادية والرمزية، في وقت سيطرت فيه النـزعات الاقتصادية المادية على أدبيات التنمية.
غير أن النظرة التقليدية للتنمية المادية و"التقنوية" لم تفارق -وإن بدرجات متباينة- جل نظريات الإعلام التنموي ونماذجه، فساءلت دورها وحدوده في عملية البناء الحضاري طالما أنها تقوم على جملة أسس منها: أن للاتصال الإعلامي قدرة هائلة على تحقيق التنمية بغض النظر عن الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للبلد، لذلك فالمدخل الأساس هو الابتكار التقني كأداة لزيادة الإنتاج والفعالية الاقتصادية. وأن التراكم والوفرة الماديين هما جوهرا التنمية المحققة لإنتاج واستهلاك السلع والخدمات، والتوزيع العادل في الدخل والفرص.
تساءلت مقاربة الاقتصاد السياسي، مثلا، عن الفجوة والخلل في تدفق الإعلام والإنتاج الثقافي بين الدول الواقعة على جهتي الخط الفاصل "للتنمية"، وشقت طريقها بدراسة حول "الصناعات الثقافية" تجاوزا لمفهوم "صناعة الثقافة". ويكشف هذا الانتقال من المفرد إلى الجمع (بمعنى "صناعات" بدل "صناعة") عن التخلي عن رؤية مفتتنة بأنظمة الاتصال، في الوقت الذي اصطدمت فيه السياسات الحكومية الرامية لإحداث ديمقراطية الثقافة بالمنطق التجاري في سوق تسير نحو التدويل. إن الأمر يدل على أننا نواجه تعقد الصناعات المتنوعة، في محاولة لفهم السيرورة التصاعدية "لإصلاح" النشاطات الثقافية بواسطة رأس المال (ماتلار و ماتلار، 2005، صفحة 127).
تساءل فريق البحث الأكاديمي بقيادة برنار مييج في الكتاب المعنون: "الرأسمالية والصناعات الثقافية" الصادر عام (1978م) (Capitalisme et Industries culturelles) عن طبيعة السلع الثقافية (Miège & Autres, 1978)، وحاول الإجابة عن السؤال الآتي: ما هي المشاكل الخاصة التي تواجهها الرأسمالية لإنتاج القيم انطلاقا من الفن والثقافة؟ انطلاقا من دحض أطروحة "صناعة الثقافة" لمدرسة فرانكفورت المؤسسة على أن إنتاج السلع الثقافية (الكتاب، الأسطوانة، الفيلم، المادة التليفزيونية، الصحافة، وغيرها) يستجيب لمنطق واحد ووحيد هو المنطق التجاري المادي الاستهلاكي. واعتبروا بالمقابل أن الصناعات الثقافية لا توجد في ذاتها؛ إنها مجموعة من المكونات التي تتشكل من العناصر التي تتباين بشدة، ومن القطاعات التي تملك قوانينها الخاصة بمعيارية الإنتاج (Standardization). هذه التجزئة لأشكال مردود الإنتاج الثقافي بواسطة رأسمال تترجم في آليات تنظيم العمل، وفي خصوصية المنتجات ذاتها، وفي محتوياتها، وفي الأنماط المؤسساتية لمختلف الصناعات الثقافية (خدمة عمومية، وعلاقات بين القطاع العام والقطاع الخاص، وغيرها)، وفي درجة التمركز الأفقي والعمودي لمؤسسات الإنتاج، وأيضا في الطريقة التي يستهلك بها المستهلكون أو المستخدمون المنتوجات الثقافية والخدمات (ماتلار و ماتلار، 2005، صفحة 136).
لهذا لا يمكن أن نغفل أهمية السلطة المادية والرمزية التي تمارسها الشركات الإعلامية الكبرى المحتكرة للسوق العالمية الإعلامية على دول العالم الثالث التي نبهت إليها نظرية التبعية سابقا، فمعظم النماذج النظرية للتنمية تستغرق جهدا مضنيا لتحديد العوامل الداخلية لمشكلات التنمية، وتتغاضى بالمقابل عن البحث عن العوامل الخارجية المرتبطة بالسياق الدولي والتوازنات السياسية والاقتصادية الكبرى والالتزامات الخارجية تجاه المؤسسات النافذة كالبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، والشركات الإعلامية العالمية، ووكالات الإعلان (الإشهار) العابرة للقارات، والشركات المحتكرة لنظم الاتصال التفاعلي وإلزاماتها. ولا شك أن صناعة الثقافة، كما تحدث عنها فلاسفة مدرسة فرانكفورت وحنا أرندت أصبحت تتم حاليا عبر مجموعة من المؤسسات جردها توماس ماكفيل (Thomas L. Mcphail) في كتابه: "الإعلام العالمي" (ماكفيل، 2012، الصفحات 70-71؛ 83-84؛ 472). كما عرض عددا من شركات الإعلام والاتصال الأكثر أهمية في العالم خلال عام (2010م)، وسجل مجموعة ملاحظات من أبرزها: "أولا، كل هذه الشركات تقع في منطقة واحدة، المنطقة المحورية. لا توجد حتى واحدة في المنطقة شبه الهامشية. ثانيا، لغة وسائل الإعلام الدولية هي الإنجليزية، وبمضي الوقت سوف تستمر وربما تكون أكثر. ثالثا، ماعدا (BBC) كلها لها وجود قوي وتحتاج إلى أن يقوى ويستمر هذا الوجود في سوق الولايات المتحدة الأمريكية" (1). كما انتهى إلى استنتاج مهم للغاية مفاده أن: "وسائل الإعلام في الحقل الإعلامي تحمل مجموعتين من القيم. الأولى تتمثل في تأثير الأجهزة والمعدات ذاتها. المجموعة الثانية تتناول البرامج أو المحتوى" (ماكفيل، 2012، صفحة 480).
وعلى الرغم من أن شركة آبل (Apple) وشركة شل (Shell) وول مارت (Walmart) تعد حاليا من الشركات الاحتكارية العالمية الكبرى، إلا أنها تفتقد إلى شيء أصبحت شركة غوغل (Google) تنفرد به هو احتكار عالمي لمصدر مالي تتدفق منه الأرباح بشكل متزايد من عام لآخر، وهيمنة تكاد تكون تامة على وسيلة تترسخ أهميتها من يوم لآخر. ونجحت في الاستحواذ على حيز مهم من حياتنا اليومية. بهذا المعنى لم يعد أحد منا قادرا على الاستغناء عن غوغل في اليوم الراهن، لا الاقتصاد ولا وسائل الإعلام ولا المشتغلون بالقضايا العلمية والسياسية، ولا المواطن العادي (فريكه و أولريش، 2017، الصفحات 9-10). فشركة غوغل تنمو بشكل مسترسل بلا انقطاع، في اتجاه السيطرة والهيمنة متعددة الأبعاد لتشكيل إمبراطورية، فقد بلغت عدد الشركات التي استحوذت عليها غوغل إلى حدود أكتوبر(2014م) مئة وأربعة وسبعون (174) شركة (فريكه و أولريش، 2017، الصفحات 243-250).
هذا الاحتكار يتجاوز صناعة الخبر والإعلان (الإشهار) إلى مجال ترفيه وتسلية شركات ألعاب الفيديو، فشركة واحدة من شركات تأجير ألعاب الفيديو بلوكبوستر (Blockbuster) مثلا تملك بالإضافة إلى متاجرها في الولايات المتحدة الأمريكية أزيد من (2600) متجر في (23) دولة أجنبية تملك معها مكتبة ضخمة من أفلام هوليود الطويلة، والموسيقى وخبرات التسويق والإعلان الأمريكية. شركة (Wal-Mart) من أكبر شركات البيع في مجال الفيديو والموسيقى في العالم لديها ما يقرب من (4000) متجر دولي، (1200) متجر في المكسيك وحدها. هذه المواقع الأجنبية يتردد عليها (50) مليون عميل أسبوعيا. دعمت بقوة الأهداف الإنمائية الثمانية للألفية (MDG) التي لها تطبيقات مباشرة وغير مباشرة على إعلام التنمية (ماكفيل، 2012، صفحة 85). إن سعي دول العالم الثالث لاقتناء وسائل الإعلام والاتصال الحديثة باهضة التكاليف كمفاتيح سحرية مزعومة للتنمية سيثقل كاهل ميزانياتها، وسيأتي بنتائج عكسية، تنتهي إلى مزيد من التخلف (ماكفيل، 2012، صفحة 68). ويبدو أن لا شيء تغير، بل على العكس من ذلك زادت قبضة هذه الشركات الإعلامية الكبرى على صناعة الثقافة وتصديرها لباقي الدول (بصيغة المفرد المناسب لتوصيف مدرسة فرانكفورت)(2).
حاليا مع تسارع وثيرة الرقمنة والتشبيك والذكاء الاصطناعي سيطفو إلى السطح مفهوم العبودية الرقمية الجديدة (Digital Slavery)، وسيصف مأزق الكائن الاتصالي الوجودي ووضعه البشري الذي يجد نفسه فيه خاضعا للضرورة التقنية والحتمية الرقمية وجبرية استخدام الإنترنيت، ولسطوة الشركات والخوادم والتطبيقات الرقمية المتحكمة في هذه الوسائط أو الشركات الأمريكية (GAFAM)(3)، التي لا تكل ولا تمل من تجميع كل المعطيات التي يتركها مستعملو في الإنترنيت عبرها ويتم تمريرها لمؤسسات استخباراتية أو شركات تجارية، واستغلال هذه البيانات المفروض أنها شخصية بتوظيف خوارزميات الذكاء الاصطناعي، لتتبع وتحليل سلوكات "المواطنين الرقميين" لتحقيق مزيد من الأرباح والفوائد وفي مزيد من التحكم والسيطرة، وهو الوضع الوجودي الذي يستشكل العلاقة الأكسيولوجية بين حقوق الخصوصية والحريات الشخصية، وخاصة عندما تلجأ هذه الوسائط إلى إلغاء الحدود الفاصلة بين مجالات العام والخاص، وعندما تعمد وسائل التواصل الاجتماعي، على سبيل التمثيل، بخوارزميات الذكاء الاصطناعي إلى الحد من حرية التعبير بحذف المنشورات أو إيقاف الحسابات أو التلاعب بالإعجابات أو بالتعليقات فيما يعرف بتقنية (Shadow Banning).
وإجمالا، إن الهوية الإعلامية العربية تحكمها رؤيتان متعارضتان إزاء علاقة الثقافة بوسائل الإعلام من جهة، وبينهما وتطلعات التنمية من جهة أخرى. الأولى؛ "عولمية" مادية تراهن على صناعة مادية تجارية تسويقية استهلاكية للثقافة، وإفراغها من جميع مضامينها الرمزية والروحية؛ والثانية؛ مغيبة للثقافة ومهمشة لها بوصفها مجالا غير منتج لا يسهم في خلق الثروة، غير أن الثقافة على العكس من ذلك يجب النظر إليها كرأسمال رمزي ومادي في الوقت نفسه قادر على التغيير الاجتماعي ودعمه بتوجيه تنموي جديد يتراوح بين الرؤيتين معا، باتجاه عام نحو الصناعات الثقافية؛ بدل الوضعية الحالية التي ترى أن العلاقة القائمة على الاستنـزاف الثقافي وعدم تكافؤ الفرص في توزيع المعلومات، واحتكار التقنية المتقدمة في الثقافة والإعلام، وتحويل وسائل الاتصال إلى أسلحة فتاكة في عقول مواطني العالم الثالث ووعيهم، وإخفاق النظام الإعلامي الجديد، والهجوم عليه من قبل الاحتكارات الدولية تؤشر حالة أو وضعا دوليا لا يخدم الأمن الثقافي، بقدر ما يهدده ويمنع كل محاولة خيرة من أجل إصلاح الخلل فيه ووضع قواعد قانونية جديدة تحكم العلاقات الثقافية، وتؤسس علاقات دولية سليمة (بلقزيز و آخرون، 1997، صفحة 261).
2- الهوية الإعلامية وسؤال التنمية: تجاذبات ثقافية وتطلعات حضارية:
لقد مر الفكر التنموي الإنساني عامة بتحولات كبيرة انتقلت فيه أفكار التنمية من المفهوم المادي القائم على التراكم المادي، الذي ركز على النمو الاقتصادي إلى مفهوم التنمية البشرية المستدامة الذي يركز على الوجه الإنساني للتنمية والثروة غير المادية بضمان حقوق وواجبات المواطنين المختلفة. لقد اقتصر الفكر التنموي التقليدي على معالجة المشكلات الاقتصادية التي انبثقت عن خصائص وواقع حياة الدول دون أن تتعامل مع الإنسان كمستهلك ومنتج أو فيما يتعلق باحتياجات غالبية المواطنين. وهو الأمر الذي عانى منه الإعلام التنموي أيضا، واتجه لاحقا لتداركه بتوجيه الدول النامية، بما فيها الدول العربية، لوسائل إعلامها لخدمة التنمية المنشودة، وتحقيق التحديث.
وإذا علمنا أن فشل أو نجاح الإعلام التنموي في البلدان النامية لا يرتبط بتحقيق النمو على المستوى الكمي بامتلاك ومراكمة وسائل الاتصال والإعلام وتحديثها، بل يرتبط بمتغيرات أخرى مهمة كالأجهزة السياسية والبنيات الاقتصادية والنظم الاجتماعية السائدة وطبيعة وشكل ومضمون التنمية الوطنية ككل؛ وعلمنا أن النماذج النظرية الإعلامية والتنموية هي نماذج جاهزة ممنوحة من طرف الدول المتقدمة كوصفات جاهزة معدة للتصدير تتجاوزان الخصوصيات المحلية والحضارية؛ أمكننا تفسير أو التنبؤ بسبب فشل كل مخططات التنمية التي تم اعتمادها أو سيتم في جل هذه البلدان إلى حد الآن. ويمكن أن نورد في هذا الإطار نموذجين نقديين بارزين تناولا هذا الإشكال، وحللا بعض علاقاتها:
- نموذج إدغار موران (Edgard Morin):
يؤكد إدغار موران على أن فكرة التنمية اشتملت على الدوام على أساس تقني واقتصادي يمكن قياسه بمؤشرات النمو ومؤشرات الدخل. وتفترض هذه الفكرة على نحو ضمني أن التنمية التقنية والاقتصادية هي القاطرة التي من الطبيعي أن تجر وراءها "التنمية الإنسانية"، التي يعتبر نموذجها الكامل والناجح هو الذي تمثله البلدان المدعاة متقدمة أو غربية. وتفترض هذه الرؤية أن الحالة الراهنة التي توجد عليها المجتمعات الغربية تمثل الهدف والغاية للتاريخ الإنساني. فالتنمية "المستدامة" لا تزيد عن تلطيف مفهوم التقدم بوصفه السياق البيئي، لكن من دون إعادة النظر في مبادئه. ففي مفهوم التنمية المستدامة تكون الكلمة "إنسان" فارغة من كل جوهر، إلا أن يكون يحيل على نموذج إنساني غربي ينطوي حقا على سمات إيجابية، لكنه، ينطوي كذلك على سمات سلبية في أساسها.
إن دعاة التقدم حسب إدغار موران إذ يقتصرون في تصورهم للتقدم على المؤشرات الكمية تغيب عنهم كيفيات الوجود وكيفيات التضامن وكيفيات الوسط وجودة الحياة والثروات الإنسانية غير القابلة للعد ولا للقياس أو للبيع. فهم يجهلون بالمَلَكة والشهامة والشرف والضمير. فالتقدم يزيل في مسيره الكنوز الثقافية والمعارف بالحضارات العتيقة والتقليدية. إن دعاة التنمية يجهلون أن النمو التقني والاقتصادي ينتج كذلك تخلفا أخلاقيا ونفسيا. فالإفراط في التخصص المعمم وأشكال التجزيء في جميع المجالات والإفراط في النـزعة الفردانية وهوس الربح والفائدة يؤدي إلى ضياع التضامن. إن التربية التخصصية في العالم المتقدم تحمل معارف كثيرة، لكنها تولد معرفة تخصصية تعجز عن إدراك المشكلات متعددة الأبعاد وتفضح عجزا ثقافيا عن التعرف على المشكلات الأساسية والشمولية. إن التنمية التي نموذجها ومثالها وغايتها الحضارة الغربية يغيب عن دعاتها أن هذه الحضارة توجد في أزمة، وأن رفاهيتها تنطوي على كرب، وأن أوجه الازدهار العمراني والتقني والصناعي فيها تنطوي على رهق وعلى إضرار، وأن القوى التي أطلقتها في سياق تطورها تقود إلى الموت النووي والموت البيئي. فحاجتنا ليست في الاستمرار بل في بداية جديدة (موران، 2012، الصفحات 75-77).
إن نموذج التنمية الغربي هو النموذج الآخر للعولمة الاقتصادية يخلو من كل تقنين، ويقود الإنسانية إلى الهاوية، وخلق فاقة وعوز قد آلا إلى شقاء في إطار الرفاه المادي. إن التنمية كوصفة غربية جاهزة، هي نتاج ومنتج للعمليات المحركة للحيوية الكوكبية، وللمسلسل الآتي الذي رسم خطاطته إدغار موران (موران، 2012، صفحة 161):
- نموذج سيرج لاتوش (Serge Latouche):
يرى سيرج لاتوش أن التغريب هو الهيئة الثقافية المحققة للتصنيع، بتأليه العلم والتقنية، غير أن تغريب العالم الثالث بمبرر تنميته وتحديثه إنما يستهدف محو ثقافته، أي تدمير لهياكله الاقتصادية والاجتماعية الخاصة، ولعقليته التقليدية، وتعويضها بكومة ضخمة من الخردة الصدأة، ويقود المأزق الصناعي إلى المأزق المجتمعي بالضرورة، ولن يصنع الإخفاقان فوق ذلك سوى شيء واحد: رفض نقل وزرع التغريب الواهم، وخرافة التنمية الموعودة. فليست هناك عالمية حقيقية يمكن أن تحتكر الثقافة.
ويمر المنظور النقدي لسيرج لاتوش عبر إعادة النظر في مفهوم الثقافة وعلاقته بالحضارة. لذلك يجتهد في تقديم تعريف يتجاوز المدخل الأنثروبولوجي المؤَسِّس بوصفه الاستجابة التي أسهمت بها الجماعات البشرية إزاء مشكلات وجودها الاجتماعي، إلى تعريف ينبه إلى مخاطر الحداثة بوصفها فقدانا للمعنى، ومعاداة للثقافة (Anti-culture)، ويرتبط هذا التصور بما يسميه بالتعريف "الحضاري" (Culturale) للثقافة، بالوعي (أو الوعي الزائف) الذي يمتلكه مجتمع بممارساته "المادية" عبر الدين والفن ووسائل التعبير كافة، أي النظر إلى الثقافة بوصفها: مجموع التصورات والرموز التي يمنح الإنسان بواسطتها معنى لحياته، لتجاربه العينية، وثقافة الإنسان المتعلم (Cultivé) (لاتوش، 1999، صفحة 47).
وينتج عن هذا التعريف أن الثقافة ليست ترفا أو متعة جمالية خالصة، بل مجموع الحلول التي أوجدها الإنسان للمشكلات التي طرحتها عليه بيئته، لذلك فالاقتصاد يشكل جزءا من الثقافة، ولو كانت كل جماعة بشرية تعطي إجابة خاصة بها لتحدي الوجود، لكانت هناك نظريا طرق لحل مشكلات ما يسمى في "الثقافة الغربية" بالتخلف، بقدر ما هناك من ثقافات، ولا تصبح الثقافة في هذه الحالة بعدا من أبعاد التنمية، بل إن التنمية هي التي تغدو بالعكس بعدا من أبعاد "الثقافة الغربية" الوحيدة. ويطرح ذلك مشكلتين جديدتين: مشكلة الكيان الثقافي ومشكلة طبيعة الثقافة الغربية، وعلى هذا النحو يمكن إعادة النظر في تنوع الثقافات وفي مشروعية هذا التنوع (لاتوش، 1999، الصفحات 49-50).
إن التنمية تبدو في ظاهرها مفهوما عموميا يشكل أسطورة نموذجية للمركزية الثقافية الغربية ومحركا للتغريب المجنون وأداة لاستعمار "المتخلفين" (الجنوب) من طرف الشمال، والسعي الإلزامي وراء لحاق مستحيل بالغرب في سياق محاكاة معممة تقوم على محاكاة السمات الخارجية للحداثة، ومن هنا اجتثاث الجذور مخططا، ومحو الثقافة مبرمجا في خطط التنمية (لاتوش، 1999، صفحة 80). والحال أنه إذا كانت هناك أزمة قيم ثقافية فهي أزمة القيم الغربية (قيم التقدم) لتي ينبغي أن يعاد فيها النظر من أجل إيجاد حل لمشكلات العالم المعاصر (Latouche, 2001, pp. 6-7).
إن التنمية حسب سيرج لاتوش ليست نموذجا قابلا للتعميم؛ ذلك أن الأمر يتعلق بالأحرى بأداة سيطرة على العالم تنمي ديناميته المعقدة دوما، أو تعيد خلق، تمزقات في البنية التحتية، بقدر ما لا تستمد هذه الأخيرة معناها إلا من النظام المذهل للسلطة الذي يرافقها. والحقيقة أن أزمة التنمية هي بالضرورة أزمة ثقافية (لاتوش، 1999، الصفحات 84-85). ويبقى الحل الوحيد هو الرهان على أن هناك مجالات مشتركة للتعايش الأخوي ينبغي اكتشافه وبناؤه، يستحق عناء الإقدام عليه، فالعالمية الحقيقية الوحيدة التي يمكن تصورها لا يمكنها أن تستند إلا على إجماع عالمي حقا، وهي تمر عبر حوار الثقافات، ومثل هذا الحوار ممكن لأن إمكانية الحوار قائمة. ولا يمكنه أن ينجح إلا إذا كان كل طرف مستعدا لتقديم تنازلات. ونحن نشارك الاقتناع بأن كل ثقافة تملك الكثير الذي تعلمه للثقافات الأخرى، وبأن بوسعها أن تغتني بإسهامات عديدة (لاتوش، 1999، صفحة 138).
وإجمالا يمكن القول: إن الاتصال الإعلامي المستهدف للتنمية يجب أن يعمل في تناغم مع عوامل النمو الأخرى لقيادة البلدان النامية، وتشجيع الصناعات الثقافية بها، أو على الأقل حسب توماس ماكفيل لتحريكها من منطقة الهامش إلى المنطقة شبه الهامشية. عمليا، بلدان الهامش استثمرت بالفعل في مكونات وسائل الإعلام التحتية، وأدركت بصورة متأخرة جدا أن هذه النظم تجلب معها المزيد من المحتويات الأجنبية وليست الوطنية. على سبيل المثال؛ حيث يدخل إعلام الكابلات والأقمار الصناعية، فإن النسبة اللافتة من السكان تشاهد (CNN) أو (MTV) بدلا من الإذاعات المحلية (ماكفيل، 2012، صفحة 67).
ومن الانتقادات المسجلة- أيضا- على الإعلام التنموي المراهن على صناعة الثقافة، إسهامه في ترسيخ التبعية الإعلامية والثقافية للدول الغربية، فالدور الذي كلف به الاتصال الإعلامي في عملية التنمية والمتمثل في نقل الشعوب النامية، ومنها الشعوب في الوطن العربي، من النمط التقليدي إلى التحديث، أي الحياة وفق النمط الغربي، بحثها على نبذ الأساليب التقليدية وترغيبها في الأنماط الاستهلاكية التي تسود المجتمعات الغربية المتقدمة أدى إلى تغلغل نمط "مجتمع الاستهلاك الغربي عموما، والأمريكي خصوصا، في عقول الناس في البلدان النامية بشكل مَرَضي، إذ إن الأغلبية منهم تنظر إلى التنمية من خلال القشور الظاهرة ولا تلتفت إلى الجوهر؛ ولم تدرك حكومات هذه البلدان النامية، أو ربما تدرك وتتجاهل أن هذه الوسائل تهدف إلى نقل القيم والأفكار وأساليب الحياة المصاحبة لها، التي يتم فرضها على مجتمعات العالم الثالث الحضارية والاجتماعية التي تتناقض كليا مع هذه الأفكار والمفاهيم (الرحمن، 1983، الصفحات 50-51).
ومن هذه التأثيرات أن وسائل الإعلام الأجنبية والخاصة مارست، ولازالت كذلك، دورا سلبيا في هذا المجال؛ حيث إنها تعمل على تشجيع النـزعة الاستهلاكية عند المواطن في البلدان النامية من خلال وضع معايير للتقدم والتحضر، أي التنمية، تقوم على مقدار ما يحصل عليه الفرد من سلع وخدمات ضرورية وترفيهية، وليس على مقدار ما يقدمه هو من إنتاج وإسهام في عملية التنمية (الديك و الأسعد ، 1993، الصفحات 92-93). بالإضافة إلى أن وصفات التنمية، ونموذج الإعلام التنموي يعزز تبعية الإعلام للقوة المهيمنة في المجتمع، وذلك لأن النخب السياسية صاغت الدور السلطوي للإعلام بحجة القيام بالتنمية، وجعلت حرية الإعلام والتنمية قيمتين متضادتين لا يمكن الحصول على إحداهما إلا بالتضحية بالأخرى بينما الواقع والمنطق يقولان بإمكانية الحصول عليهما معا كما دلت على ذلك تجارب الدول الصناعية (العربي، 1995-1996، صفحة 94).
إن من معيقات نجاح الإعلام التنموي في الدول العربية، كما تم التنظير له، يعود إلى استبطانها لتصور تنموي وثقافي جاهز له خيارته واختياراته الفلسفية، وخاضع لضغوطات ومصالح اقتصادية وواقع جيو-سياسي متغير للعالم في كليته، ففلسفته تميل إلى إعطاء الدولة حق تقييد الحريات الإعلامية التي تتعلق بحماية الكيان الاجتماعي، وبحماية السلطة التي تقود حركة هذا المجتمع في مسيرته التنموية، والفكر التنموي الذي تتبناه هذه السلطة، ذلك على النحو الآتي:
ففيما يتعلق بحماية المجتمع: يبيح الفكر التنموي تقييد أي عمل إعلامي يمكن أن يناهض أخلاقياته، أو يمكن أن يؤثر على وحدته وسلامة بنيانه الداخلي؛
أما فيما يتعلق بحماية السلطة (الحكومة): فإن الفكر الإعلامي التنموي يبيح تقييد التجاوزات المحتملة من وسائل الإعلام، والتي يمكن أن تعرض استقرار الحكومة أو الطبقة الحاكمة للخطر" (السماسيري، 2008، صفحة 452).
غير أن الأمر انتهى بكثير من الدول العربية التي انتهجت هذه السياسات بتحولها من توجيه الاتصال الإعلامي لخدمة البرامج والسياسات التنموية إلى توجيه وسائل الإعلام لخدمة رزناماتها الانتخابية والسياسية الخاصة، والدفاع عن النظام السياسي الحاكم والدعاية له، وتحولها من ثم إلى أداة لكبت وكبح الأصوات ولجم الآراء والتوجهات المعارضة.
كما انتهى الرهان على استيراد التقنية ومنتوجاتها الثقافية المصنعة كوسيلة للتحديث وتحقيق التنمية إلى الفشل، فقد اتضح أن الرهان على التليفزيون التعليمي في الغرب –مثلا- عجز عن أن يدخل الثورة التعليمية المخططة إلى حجرة الدراسة، والتوقع بأن البث الإذاعي هو الوسيلة التي تستطيع من خلالها الدول الفقيرة التحول السريع إلى دول صناعية كان فشلا مماثلا بالطبع (ماكفيل، 2012، صفحة 67).
يمكن أن نمثل لهذا الأمر بنقاش دائر حول مجتمع بدون مدرسة وأستاذ وإمكانية تعويضه بتعليم عن بعد تحضر فيه التقنية، وأثبت هو الآخر فشله. يقول فرانسيس بال: "لقد فشل التليفزيون التربوي كل مرة حاول فيها الحلول محل الأستاذ أو اكتفى بتصوير المعلم أمام اللوح الأسود. كان هناك أمل أحيانا، دون الإفصاح عن ذلك، لقولبة المدرسة بواسطة التليفزيون، أو بعبارة أخرى، استبدال المدرسة بالتليفزيون" (بال، 2008، صفحة 92). ورغم تزايد سطوة وسائل الإعلام واكتساحها مختلف المجالات بما فيها فصول الدراسة إلا أن النتيجة كانت أن المعلم ليس له بديل، هو وحده يستطيع في الوقت نفسه تعليم التلاميذ أن يعبروا ويحكموا أو يتعلموا العيش سوية(..). إن تقدم وسائل الاتصال - من حيث وفرتها وتنوعها- حدد لها مقامها: أي مقام المساعد، فهي خادمة وليست سيدة (ماكفيل، 2012، صفحة 96)، وهو الأمر نفسه الذي يمكن أن ننظر به إلى الذكاء الاصطناعي حاليا.
إن الرهان على الإعلام التنموي كأداة فعالة للتنمية الثقافية الحقيقية لا يمكن أن يتحقق إلا في إطار توجه نقدي جديد في الحتمية الثقافية المركَّبة، وذلك حسب ألان تورين بانتقال البراديغم من لغة اجتماعية، بتفسير كل شيء والتعبير عنه بمصطلحات اجتماعية، إلى لغة ثقافية جديدة تتناول الحياة الاجتماعية. هذا الانتقال تصحبه طفرة (Mutation) سببها النمو السريع في علاقة الذات الفاعلة (Sujet) مع ذاتها مباشرة من دون المرور بالوسائط الماورا -اجتماعية (Méta- sociaux)، الخاصة بفلسفة التاريخ. إنه عصر نهاية الاجتماعي وكل ظواهر التفكك (Décomposition) والفصل (Désocialisation) الاجتماعيين، إلى عصر التحليل بمصطلحات ثقافية بمفهومين أساسيين: الذات الفاعلة (Le sujet) بوصفها تأكيدا بأشكال مختلفة لحرية الكائنات البشرية وقدرتها على خلق ذواتها وتطويرها فرديا وجماعيا، والحقوق الثقافية (تورين، 2011، الصفحات 18-20).
لا يمكن للتنمية الثقافية الحقيقية أن تتحقق باستيراد التقنية ووسائل الإعلام ومنتوجاتها المصنعة الجاهزة، على حساب عملية الاعتناء بصناعة الإنسان وتشكيله؛ بل بعملية بنيوية أساس، وبصناعة تنموية حضارية جديدة تجعله أداة فاعلة في محيطه الاجتماعي والاقتصادي والصناعي والحضاري ومطورا لصناعاته الثقافية الذاتية، بدلا من مستهلك متلق سلبي لمنتجات حضارات أخرى وثقافاتها، وفشل هذه السياسات سبق أن تنبأ به مالك بن نبي منذ عام (1948م) عندما سجل أن المقياس العام في عملية الحضارة هو أن (الحضارة هي التي تلد منتجاتها)، وسيكون من السخف والسخرية حتما أن نعكس هذه القاعدة حين نريد أن نصنع حضارة من منتجاتها (نبي، 2000، صفحة 47).
إن التنمية الثقافية الحقيقية لا يمكن أن تقوم على توجه "صناعة الثقافة" بل بضرورة ارتباطها الوثيق بالإبداع والصناعات الثقافية الإبداعية التي تعمل على التقارب المفاهيمي والعملي بين الفنون الإبداعية (الموهبة الفردية)، والصناعات الثقافية (النطاق الجماهيري)، في إطار تقنيات إعلام جديدة داخل اقتصاد معرفة، يستخدمها مواطنون مستهلكون تفاعليون جدد (هارتلي و آخرون، 2007، صفحة 12). والأكيد أن المبدأ الخلاق في عصر الوفرة والتراكم والإبداع هو الذي سيقود التغير الاجتماعي والاقتصادي، لذلك فكل دول العالم مطالبة ببذل جهد مضاعف للصناعات الثقافية والمشاريع الإبداعية بالقدر الذي توليه لباقي القطاعات الاقتصادية الأخرى. إن التنمية الحقيقية ينبغي أن تتجاوز ما سأصفه بالثقافة ذات البعد الواحد(4).
واستتباعا لما سبق، يمكن القول إن جل الأطر المعرفية والنظرية المعالجة لقضية الثقافة في علاقتها، بالتغيير الاجتماعي والثقافي، منذ التصور الماركسي في أواسط القرن التاسع عشر إلى بيير بورديو وريجيس دوبري في نهاية القرن العشرين، ربطت برؤية واقعية بين التلازم العضوي للممارسة الثقافية والمصالح المادية للأفراد، وهو ما عجل بظهور تصنيفات أخرى -كتصنيف مدرسة فرانكفورت أو تصنيف الدراسات الثقافية- للثقافة تقوم على طبيعة الفئة أو الفئات الاجتماعية التي تنتسب إليها الثقافة بحيث يصعب رسم حدود فاصلة بينها لما يوجد بينها من تداخل وتفاعل. فداخل كل ثقافة يمكن أن نميز بين الثقافة الأولية أو الثقافة الشعبية، والثقافة الثانية أو ثقافة النخبة. غير أنه بالمقابل قلما جرى إدراك تميز حقل الثقافة بوصفه ليس فقط مجال التعبير عن تناقضات البنية الاجتماعية (أو البنية الحضارية الكونية) فحسب، بل بحسبانه حقلا مستقلا للتناقض حقلا تتحول فيه قيم الثقافة نفسها إلى موضوعات للصراع في شكل تبدو فيه مستقلة عن نظام العالم الخارجي، أي بالتحديد، عن النظام الاجتماعي- الاقتصادي الذي به تتحدد وتتقوم (بلقزيز و آخرون، 1997، الصفحات 225-226).
لقد انتبه الفكر الغربي إلى أنه يستحيل أن تتحقق ثقافة بدون تنمية أو تنمية بدون ثقافة، ولا تنمية أو ثقافة بدون إعلام تنموي، فالعلاقة الحميمة بينهما شرط أساسي للتنمية، سواء كانت هذه التنمية اجتماعية أم اقتصادية أم سياسية، وغيرها، شريطة أن تتحول إلى مشروع مجتمعي عام للتنمية الثقافية يهدف إلى بناء مادي ورمزي للإنسان، وانطلاقا من هذا الهدف العام تتبلور بقية الأهداف الثانوية التي يبرز فيها دور وسائل الإعلام واضحا. فجل أهداف وزارات الثقافة ووزارات الإعلام في الدول النامية، ومنها الدول العربية، تركز على مفهوم التنمية الثقافية، إلا أن الصعوبات والمثبطات الداخلية والخارجية، الذاتية والموضوعية تبدأ مع بوادر التنفيذ الأولى وتحول هذا الهدف الإجرائي إلى مخططات ثقافية وإعلامية إجرائية.
إن أهم الأهداف الأساسية للتنمية الثقافية إلى جانب البناء المعرفي للإنسان ببرامج للتربية والتعليم ومحو الأمية؛ إثراء وجدانه وتهذيب انفعالاته بالقيم الروحية الإنسانية والتقاليد الأصيلة؛ لتصريف هذه المعارف والسلوكات فرديا وجماعيا في بناء مواطن واع مستنير يبدع ويبتكر ويحمل على عاتقه مسؤولية النهوض بالبلد وتنميته. ويبرز دور الثقافة الجماهيرية التي تمكن القائمين على مجال التنمية من قياس درجة تحقق الأهداف التقدم في مجال خلق الشخصية الوطنية المستقلة، تلك الشخصية المتميزة بقيمها وثقافتها الخاصة. ولا شك أن وسائل الإعلام الجماهيرية بحكم خصائصها، وبالإضافة إلى مؤسسات التنشئة الاجتماعية الأخرى، تقوم بأدوار مصاحبة مشاريع التنمية وتقويمها.
ويفترض في الاتصال والإعلام في الوطن العربي أن يرسم هويته الخاصة بأن يكون نابعا ومنبثقا من الأبعاد الثقافية والحضارية التي ينتمي إليها المجتمع، لا أن يتوجه إلى استثارة العواطف أو الغرائز، أو طلب استجابة مادية ظرفية آنية؛ وأن يكون تكامليا، فيتضمن الاتصال السمعي والبصري والمكتوب والشخصي؛ وأن يكون قائما على المشاركة الواعية للجمهور، لا أن يكون أحاديا تسلطيا؛ وأن يكون حاملا للقيم الثقافية والروحية التي تدفع بالإنسان والمجتمع إلى الارتقاء والسمو (بلقزيز و آخرون، 1997، الصفحات 143-144). ومن رحم هذا التوجه ولدت النظرية المسماة بالحتمية القيمية الإعلامية للجزائري عبد الرحمن عزي التي ترى أن القيمة هي المفتاح الوحيد الذي يمكن به تفسير باقي المتغيرات أو قياسه، أي أن كل الظواهر والعوامل المجتمعية، ومنها الاتصال والإعلام، يقاس بمدى قربه أو بعده عن القيمة، وبذلك فالقيمة بوصفها حتمية هو وصفها المتغير الفريد، والمحرك الوحيد الأساس في تفسير أي ظاهرة أو فهمها، غير أن القيمة بعَدِّها حتمية لتفسير الظواهر الإنسانية وفهمه، تختلف- نظريا ومنهجيا، شكلا ومضمونا- عن باقي الحتميات الغربية الأخرى المقترحة، مثل الحتمية التقنية لماكلوهان، والحتمية الاقتصادية لماركس، والحتمية (الفيزياء) الاجتماعية لأوغست كونت وإميل دوركايم، والحتمية البيولوجية والتطورية عند لأمبروزو وتشارلز داروين، والحتمية اللاشعورية عند سيجموند فرويد، والحتمية الرياضية المبنية على النتائج، والحتمية الفيزيائية المبنية على مبدأ السببية، وغيرها من الحتميات.
بهذا المعنى؛ يمكن للاتصال الإعلامي في الوطن العربي تزويد الجماهير بزاد ثقافي وفني واجتماعي، بتقديم المعارف وتفسيرها والتعليق عليها، وفي تغيير العادات السلوكية الخاطئة، وضبط وتوجيه وتعديل القيم الأخلاقية وتحقيق التكامل الثقافي، وتشكيل الذائقة الفنية، بإمكانات الاختيار والمفاضلة طالما أن الثقافة تعبير عن الفكر الإنساني، وتنمية لهذا الفكر بمختلف الوسائل المتاحة والسائدة في المجتمع. فالثقافة في البرامج الثقافية الإعلامية المسموعة والمرئية –مثلا- يمكن أن توظف من أجل التعبير عن الحاضر، كما يمكن لها أن تعمل على تنمية إمكانات الأفراد، وإثراء الوعي وتطويره وتنويره، حتى يحاط عمل الفرد بجو فكري يجعل منه إنسانا يعيش قيم عصره ويشارك في توجيهها.
3- تحولات الهوية الإعلامية العربية: في الحاجة إلى بناء مشروع الإعلام القيمي:
إن تتبع أهم البراديغمات الموجهة لمسار البحث الأكاديمي العربي المواكب لظهور وسائل الاتصال والإعلام وتطورها من خلال استعراض بعض النماذج النظرية الفلسفية والفكرية الجديدة والسياسات الإعلامية في الواقع، والتي دعت إلى إعادة النظر في وظيفة واستعمالات هذه الوسائل، بمنظور يستحضر مركزية النسق القيمي النابع من ثوابت المجتمع الأصيلة، كحتمية للتنمية والنهوض الحضاري الحقيقي. وهي انتبهت إلى ضرورة تجاوز التلقي الجاهز السلبي، وتنشد نقل تجربة الوعي الحضاري إلى ميدان الاتصال والإعلام، اعتمادا على فقه الواقع بالتفاعل الإيجابي مع عملية توظيف التراكمات التراثية الحضارية.
واكب المفكرون العرب بالدراسة والتحليل ظهور وسائل الاتصال والإعلام وتطورها، وما نتج عنها من تأثيرات فردية ومجتمعية، كما أولوا أهمية قصوى لرهانات توظيفها في التنمية والنهوض الحضاري المنشودين، موقنين أن التنمية تتطلب جملة أمور، من بينها التوفر على إعلام واتصال رصين ينجح في إقناع الأفراد بضرورة التغيير وأهميته، ويوجههم ببرامجه ومواده، المعدة وفق هذا الهدف الأسمى، نحو الأساليب المثلى لتحقيقها، بإكسابهم المهارات اللازمة التي تنقلهم من السلبية والاتكالية وكل السلوكات السلبية إلى الفعالية الثقافية الإيجابية والاستئناف الحضاري المنشود.
لكن، اتضح جليا تأثر الدراسات والسياسات الإعلامية الاتصالية والإعلامية العربية الأولى ومعاناتها من الصدمة الثقافية، والصدمة الإعلامية فيما بعد؛ إذ تراوحت بين منطقي الرفض أو الانبهار المطلق، قبل أن تصل إلى درجة التقبل والإقرار والتسليم بها؛ ثم لاحقا بعد الاختمار والتراكم النظري والمنهجي إلى استنساخ النظريات والمناهج الإعلامية الغربية وتطبيقاتها الحرفية على الواقع العربي والإسلامي، وهو ما سيعكس نتائجا تطبيقية مشوهة وغير منسجمة مع هذا الواقع المتمايز عن الواقع المنتج لهذه النظريات. عجلت هذه الأزمة الابستمولوجية ظهور محاولات النقد والتأصيل وإبداع البدائل، بالانتباه إلى مركب القيم، إن على مستوى التنظير، أو على مستوى رسم السياسات الثقافية والإعلامية، أو على مستوى الأجرأة والتطبيق والممارسة التنموية الناجعة.
إن دراسة الهوية الإعلامية العربية عبر مدخل براديغمات الدراسات الاتصالية والإعلامية العربية النظرية والتطبيقية، تتبع انتقالاتها وتحولاتها، وما صاحبها من تغير للرؤية والمنظور. وفي هذا الإطار نجد تصنيفين لهذه الدراسات: الأول يقسمها إلى أربعة توجهات كبرى: التوجه الإمبريقي ذو الطبيعة الأنجلو-ساكسونية، والتوجه الخاص بتأصيل المفاهيم والأطاريح، والتوجه ذو الطبيعة اليسارية، والتوجه الخاص بالإعلام الإسلامي؛ في حين يرد الثاني الكتابات الإعلامية النقدية التي تناولت فلسفات الإعلام الوضعي الغربية إلى: كتابات تدور في فلك الأرضية الفكرية التي أفرزت هذه الفلسفات، وتتوزع بين ثلاثة اتجاهات: التوجه الوصفي، والتوجه الداعي لتبني بعض هذه الفلسفات، والتوجه الناقد؛ وكتابات تنطلق في تناولها لهذه الفلسفات من أرضية مغايرة تماما للأرضية التي أفرزتها، وهي الأرضية الإسلامية، وتتوزع بين الكتابات النقدية، والكتابات التي عملت على طرح البديل الإسلامي(5)، في سياق موجات تبني خيار أسلمة الهوية الإعلامية العربية وأسلمة وسائل الاتصال والإعلام ثمانينات وتسعينات القرن الماضي والعشرية الأولى من القرن الحالي.
ومن جهتنا اقترحنا تقسيما ثلاثيا عبر مدخل البراديغم الفكري المهيمن ونماذج السياسات الإعلامية السائدة، حاول تجميع هذه التيارات التي حاولت رسم هوية للإعلام العربي من خلال طبيعة الدراسات الاتصالية والإعلامية التي حاولت تفكيك بنية الإعلام العربية واستشراف آفاقه، والتطلع إلى دور تنموي وظيفي له، يختزل أسس هذه الهوية في المشاريع النظرية والتطبيقية الآتية: الدراسات الاتصالية والإعلامية العربية التأصيلية، والدراسات الاتصالية والإعلامية المستنسخة لنماذج الدراسات الاتصالية والإعلامية الغربية، والدراسات الاتصالية والإعلامية التفسيرية والمعرفية والقيمية البديلة. وقد عرضنا داخل هذه الدراسات لمجموعة من النماذج المختارة على سبيل الاستدلال والتمثيل–لا حصرها-، لتبين معالمها الأساسية المميزة، وقواسمها المشتركة، وجوانبها الإيجابية، وأوجه قصورها، ورهاناتها الحضارية، وتحدياتها الابستيمولوجية(6).
فإذا كانت التوجهات والدراسات الأولى وفرت المادة المعرفية الأولى والأساسية لفهم آليات اشتغال الاتصال الإعلامي وللتكوين الإعلامي المهني، إلا أنها ظلت في تبعية فكرية مع مهندسي وواضعي هذه النظريات، إذ لم تعوض بإعادة إنتاج مفاهيم ونظريات تنسجم مع الخصوصيات الثقافية والحضارية، وطبيعة الظاهرة الإعلامية في المجتمع العربي والإسلامي، وبتنـزيل هذه النظريات إلى الواقع، وتشجيع وتكثيف الدراسات الميدانية التي تمكن من اختبار مدى صلاحية المفاهيم وصمودها وكذا الأدوات النظرية والمؤشرات الإجرائية المقترحة من النظرية.
والحال أن الظاهرة الاتصالية والإعلامية بوصفها ظاهرة إنسانية دالة في مجتمعاتنا اليوم، تستلزم وعيا حضاريا بها، أي ضرورة امتلاك الإنسان لمنظور سنني كوني كلي متكامل، يحلل ويفسر ويستشرف على ضوئه الصيرورات الحضارية لحركة التاريخ البشري بصفة عامة، ولحركة نهضة مجتمعه وأمته خاصة، ويتفاعل معها بما يدفع بها للسير نحو المداولة الحضارية الصاعدة، وينأى بها عن السير نحو المداولة الحضارية المتقهقرة (برغوث، 2015، صفحة 26)؛ وهو الوعي الذي استثار مجموعة من المفكرين العرب والمسلمين على إعادة النظر في هذه الوسائل بمنظور يتجاوز التلقي الجاهز السلبي–الذي أثبت فشله نظريا وتطبيقيا- إلى رؤية تعيد النظر إلى الظاهرة الإعلامية بعين الخبير الفاحص والناقد، والمقترح لبدائل ومشاريع، وتقف أمام تحديين: تجاوز عيوب المحاولات التأصيلية السابقة ونواقصها من جهة، والحتميات التي تطرحها النظريات الغربية السابقة، والحاملة في طياتها لاختلالات نظرية ومنهجية تعود أساسا إلى غياب التماسك المنطقي الداخلي لهذه النظريات بعد اصطدامها وتنـزيلها مع واقع غير الواقع الذي أنتجها من جهة أخرى، وهوما أثر في الحقائق العلمية التي أُنتجت، والتي لم تتمكن من تقديم معرفة دالة حقيقية لتفاعل الظاهرة الإعلامية، والتأثيرات المحتملة لها مع الأبنية الثقافية والحضارية لواقع المجتمعات العربية والإسلامية.
حاولت مجموعة من النماذج الفكرية والفلسفية العربية تأسيس نظريات اتصالية وإعلامية بديلة، وبالاستناد إلى منهج الانتقال المرن بين الذات الدارسة والموضوع الظاهرة المدروس، وباستحضار الوعيين بالمكان والزمان في اقتراح حلول لمشكلات التنمية ككل. مركزية النسق القيمي النابع من ثوابت المجتمع الأصيلة، كحتمية للتنمية والنهوض الحضاري الحقيقي، ومنهم طه عبد الرحمن الذي انتقل من أسلمة الأخلاق إلى المقاربة الائتمانية للإعلام، وعبد الرحمن عزي الذي انطلق من الحتمية الثقافية ليؤصل نظرية الحتمية القيمية في الإعلام، وغيرهم (7).
كما سعت دراسات الاتصال والإعلام العربية التي حاولت إكساب وسائل الإعلام والاتصال صفة "الإسلامي" بالجاهز من المفاهيم إلى إضفاء صفة "الأسلمة" عليها، وأسقطت هذه المفاهيم المعاصرة ذات الحمولات الفلسفية والإيديولوجية والدينية المسيحية على بيئة وسياق تاريخي وفكري متمايز. بينما حاولت دراسات الاتصال والإعلام التي تراهن على "تخليق" وسائل الإعلام والاتصال، وإكسابها قيما بديلة من تأصيل جديد للمفاهيم، وخاصة مفاهيم: الثقافة والقيم والتنمية والإعلام والاتصال والتواصل وغيرها، بوصفها مفاهيم أنتجت وتطورت في سياقات فكرية وتاريخية مرتبطة بمجتمع معين، لا يجوز استيرادها دون تنقيتها من هذه الشوائب، وضرورة تجديدها بالفعل والممارسة، ومفاتيح أساسية لكل بناء فكري يهدف إلى تحقيق النهضة الحضارية المنشودة أو دعمها، لذلك تنطلق دراسات ونظريات الإعلام القيمي البديل من البحث عن الأصول والجذور المعرفية والفلسفية والمقولات التي تشكل ملامح النسق الفكري الغربي العلماني بصفة عامة، والمعرفة العلمية المرتبطة بالظاهرة الاتصالية والإعلامية خاصة، إنها وعي مكتمل بالمشكلة من داخل الظاهرة، ومن خارجها في آن واحد. لذلك يمكن لها أن تزاوج بين: القراءة "التجديدية" للمعرفة الدينية والتراثية وفق فقه الواقع المتغير، وتوظيف بعض الأدوات المنهجية الغربية التي تطورت في الغرب في دراسة الظاهرة الإعلامية المعاصرة في المنطقة العربية والإسلامية وفق فقه الخصوصية الحضارية.
يمكن للمنظور والمنهج ذو التوجيه القيمي البديل أن يمنح أبحاث التأثير الإعلامي قيمتين: قيمة علمية؛ مقارنة بباقي الدراسات الاتصالية والإعلامية الأخرى حيث يتقاطع منظورها للقيم بمحدداتها القيمية مع مستويات التأثير كما طرحته نظريات غربية كنظرية الاعتماد ونظرية الاستخدامات والإشباعات وغيرها. وقيمة حضارية؛ حيث تسهم في فهم أعمق لواقع ورهانات الإعلام والاتصال في التنمية والبناء الحضاري المنشودة، وبما يمكن من تجاوز تدني وهشاشة بنية الثقافة الوطنية، والاستلاب القيمي بضعف الحصانة والممانعة الثقافية المكتسبة، والتشظي الهوياتي الفردي والجماعي.
تقتضي مسايرة التحولات المجتمعية والتقنية المختلفة فهما جديدا لكيفيات اشتغال وسائل الإعلام والاتصال وسبل توظيفها في بناء هوية إعلامية عربية جلية المعالم، أي انتقاء تفسيري ابستمولوجي وفرز معرفي ايديولوجي، وبمنهج متكامل ومتوازن شامل لا يرى وجود تعارض بين المنهجين: المنهج الوضعي المادي، والمنهج الأخلاقي؛ أي: المنهج المعياري القيمي التوجيهي كمقابل للمنهج الوضعي الوصفي ذو النظرة الاختزالية الاكتفائية، بتجاوز وصف ما ينبغي أن يكون بالنظر إلى معايير معينة إلى نظرة شمولية متعالية ترانستدنتالية، وبتجاوز دائرة الحس والتجربة إلى دائرة الغيب والدين، وتتخطى الزمني والتاريخي إلى المطلق، وعلى المستوى المعرفي يتكامل فيها "العلمي والتقني" و"الديني" بهدف تغيير نحو الأفضل، تغيير يتجه إلى مجال القيم أكثر مما يتجه نحو المكاسب المادية. وهي الهوية الإعلامية التي يمكن بناؤها من داخل النسق التقني الحداثي الكوني، بسياسات إعلامية تستند إلى فقه الواقع القائم على تجنب الجمود بالقابلية للتجدد الإيجابي، بتحيين آليات التفكير النظري والممارسة العملية، والانفتاح الواعي الانتقائي على الإنسان الآخر المختلف، ومراعاة لخصوصية الظاهرة الإنسانية بالنظر إليها في أبعادها المتكاملة الشاملة، والمشتركة الكونية، وخصوصية براديغماتها، ودون الاقتصار على بعد واحد مادي أو روحي، وبالاعتماد في كل هذا المركب على بنية مفاهيمية مناسبة ورؤية استشرافية ملهمة.
- الخاتمة:
يرى فيلسوف العلوم كارل بوبر (Karl Popper) أن مصداقية العلوم الإنسانية والاجتماعية ككل، ومجالات التنظير في قضايا التغير الاجتماعي والتنمية والتحديث والهوية وغيرها من الظواهر الإنسانية يجب أن تنطلق من السياق الثقافي والحضاري الذي تتموضع فيه هذه القضايا، وسجل الملاحظة الآتية: (Il n’existe de théorie de changement social que Partielles et Locales)، أي: أن جل نظريات التغير الاجتماعي بمختلف خلفياتها الفلسفية والإيديولوجية: الوضعية والماركسية والبنائية والوظيفية والثقافية والتنموية هي نظريات تسكن مدينة الأموات (Cité des morts) (Boudon, 1984, p. 184). يقتضي، إذن، الوقوف أمام سوائل هذا العصر(8)، وسيوله الجارفة التي اجتاحت كل شيء، بما فيها مجال الاتصال والإعلام، مصفاة ثقافية، وبوصلة قيمية، وخريطة معرفية، واعتقادا جازما أن إشكالية الهوية الإعلامية في ظل هذه التحديات الراهنة سياقية ومجالية، وأن ما ينتج من نظريات علمية متصلة بها وحلول وتطلعات يَلْزم هذا المجال وهذا السياق الزمني والمكاني.
لذلك فمحاولات تعميم نظريات الإعلام التنموي الغربي وسياساته الإعلامية وأخلاقياته المهنية ومواثيقها على مجتمعات أخرى ذات خصائص أخرى متمايزة هو باب من أبواب الأخطاء العلمية الجسيمة. إن حضور البعد الثقافي والقيمي في الهوية الإعلامية العربية أصبح ضرورة مجتمعية وتطلعا تنمويا حتميا في الوقت الحاضر، فهو الذي يمكن له أن يفرز الشخصية التنموية بمتغيراتها وخصوصياتها المجتمعية الذاتية. فالقيم تشكل جوهر ثقافة أي مجتمع فهي التي تحدد وتنظم النشاط الاجتماعي لأفراده كافة، لكونها تشكل أساسا لا محيد عنه للاهتمامات والاتجاهات والأفكار والمعتقدات. فالقيم تتضمن أحكاما عقلية أو انفعالية توجه سلوكات وأداءات وتفضيلات واختيارات أفراد المجتمع في مختلف المواقف الاجتماعية، وتنعكس بشكل واضح في التفاعلات والعلاقات الاجتماعية.
إن نجاح برامج ومشروعات ومخططات التنمية في العالم العربي والإسلامي ينبغي أن يعتمد إلى حد كبير على مدى دعم وتعزيز أنساق القيم الإيجابية لها. ويعكس ذلك أهمية تهيئة وسائل الإعلام والاتصال –بالإضافة إلى وسائل أخرى- أنساق القيم المجتمعية لعملية التنمية، بحيث يمكن لها تحديد القيم الإيجابية المعضدة للتنمية والمواكبة لتطلعاتها بتدعيمها، وبتأكيد أهميتها وفاعلية تأثيرها، أو بتحديد السلوكات السلبية المعوقة للتنمية والعمل على مراجعتها؛ إما بالتعديل أو بالتجاوز بتحسيس الأفراد بسلبياتها وأضرارها على التنمية وعلى المجتمع ككل، أو بإحلال قيم جديدة تنموية محل السلوكات السلبية المعوقة للتنمية. تضمن القيم المجتمعية المبنية أو المعززة عبر وسائل الإعلام تقبل الأفراد للأنشطة التنموية واستفادتهم منها. فالمطلوب هو أن تدعم القيم السائدة وما ينتج عنها من أنماط السلوك الاجتماعي والفاعلية الفردية. ولرفع مستويات الفاعلية يتعين أن تجند كل الوسائل بما فيها وسائل الإعلام والاتصال من أجل تهيئ النسق القيمي السائد، لكي يستجيب بفاعلية لمختلف برامج التنمية وسياساتها.
إن استيرادنا للمفاهيم وللمخططات التنموية عامة، وفي ميدان الصحافة والإعلام والاتصال، كما هي مطروحة في الفكر الغربي أثبت فشله، مما يستدعي ضرورة العودة إلى الذات، ومساءلتها في أفق بناء مشروع فكري يستند إلى الأنساق القيمية والحضارية السائدة في المجتمع، والتي قد تدعم السيرورة التنموية أو قد تفشلها. وأهمية القيم تكمن في دورها المحفز لتكوين الكيان الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي للمجتمعات، فهي القوة الدافعة للسلوك الفردي والاجتماعي، وتطويع عمليات التنمية يحتاج إلى أنماط سلوكية جديدة تحتاج- هي بدورها- إلى قيم جديدة تدفع هذه الأنماط السلوكية إلى تحقيق أهداف التنمية وتقودها إلى الطريق الصحيح والسلوك السوي. فالأكيد أن المجتمع الذي يعاني من اختلال المعايير هو الذي تتولد فيه أزمة القيم، وتتصارع فيه القيم الجديدة مع القيم القديمة. وانفصام القيم هذا أبرز مشكلة تعاني منها التنمية في البلدان العربية التي لا بد أن يخطط للتغلب عليها، بالاشتغال على ثلاثة مستويات تنموية: معرفية ووجدانية انفعالية وسلوكية وفي إطار سياق عام يقوم على مراعاة الخصوصيات الثقافية، والانفتاح الواعي النهضوي على المشترك الإنساني.
إن بناء هوية إعلامية تستجيب لطبيعة الخصوصيات الثقافية في الوقت الذي تستطيع فيه أن تصمد أمام تحديات العولمة الثقافية، لا يمكن أن يتحقق بسياسات إعلامية تغريبية، وبمحاولة زرع الثقافة الغربية، المستبطنة لقيم خاصة بها، في غير موطنها، والذي سيبوء في تقديرنا حتما إلى الفشل آجلا أم عاجلا. فظهور بعض النماذج التي قد تبدو ناجحة في أوطاننا، لن يقضي على أزمة صراع القيم التي تعيشها مجتمعاتنا في الوقت الحاضر، ومآلات الفوضى والتشظي والاستلاب والانفصام القيمي، ولا يمكن له أن يتم أيضا باستيراد التقنية ووسائل الاتصال والإعلام، أو نظرياتها، أو سياساتها ومحتوياتها ومضامينها، وعلى حساب عملية صناعة ثقافة الإنسان البانية وتشكيلها، صناعة تنموية حضارية جديدة تجعله أداة فاعلة في محيطه الاجتماعي والاقتصادي والصناعي والحضاري بدلا من استهلاك سلبي مستلب.
إن المشروع النظري والتطبيقي الاتصالي والإعلامي البديل لبناء هوية إعلامية عربية ناجحة وناجعة من طرف صناع السياسات الإعلامية، وملاك وسائل الإعلام، كل من يدور في فلكهم بالوطن العربي، هو الذي سينجح في فك شفرة وصفة دمج فعال وحضاري لمفهوم الثقافة في وسائل الاتصال الإعلام نظريا وتطبيقيا، وبالاستناد إلى مركزية القيم في مفهوم الثقافة ووظيفة المثقف، وإعادة قراءة العلاقة بين الله والكون والإنسان وفق براديغم معرفي وتفسيري يقف مقابلا لمختلف أنواع الرؤى الغربية المادية التجزيئية الأخرى، وبديلا، أقدره، حقيقيا شاملا وكليا وواقعيا، ومنفتحا على جميع مجالات الفرد المعرفية والقيمية الوجدانية والسلوكية الانفعالية، ومستحضرا على الدوام أبعاد العلاقة التفاعلية المتوازنة والمتكاملة الشاملة: التوحيدية التعبدية بين الله والإنسان، والاستخلافية الائتمانية بين الإنسان والكون، والإنسانية التراحمية بين الإنسان وأخيه الإنسان.
كما أننا نحن بالمقابل كمواطنين مستهلكين ومتلقين ومستخدمين لهذه الوسائط الإعلامية والاتصالية في حاجة ماسة اليوم قبل الغد إلى تربية إعلامية ورقمية لاكتساب رؤية نقدية لوسائل الإعلام والاتصال وتنمية التفكير النقدي، ولبناء هوية إعلامية في ضوء ما أضحى يسمى بالمواطنة الرقمية (Digital Citizenship) الإنسانية الملائمة للخصوصيات الثقافية، بإعداد المواطن الرقمي بالتربية الرقمية البانية والرسالية المناسبة، وتحصينه بالمناعة الحضارية، ومساءلة الاختيارات والقيم والعادات، وتمكينه من التقنية، والعمل على تخليقها، وحوكمتها بربط الاستخدام الفردي والجماعي بالمحاسبة القانونية والأخلاقية، وتحسيسه بمخاطر السلوكات غير المشروعة وغير القانونية، واحترام القيم والثقافات والمعتقدات المختلفة، والإيمان بالقيم الكونية كقيم للتعايش الإنساني المشترك، وعلى رأسها قيم حقوق الإنسان النبيلة وضمان العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية، وتطوير التقنية الخضراء بطريقة يحافظ فيها الكائن الاتصالي، أيضا، على الموارد الطبيعية، ويدعم التنمية المستدامة.
- المراجع:
الأخضر، عثمان العربي (1995-1996). النظريات الإعلامية المعيارية: ماذا بعد نظريات الصحافة الأربع، حوليات كلية الآداب، الحولية 16، الرسالة 112، مجلس النشر العلمي.
أقفلي، حماني .(2006) الثقافة والتنمية البشرية: فكرة التنمية الثقافية، دار النجاح الجديدة.
بال، فرانسيس .(2008) الميديا، ترجمة فؤاد شاهين، دار الكتاب الجديدة المتحدة.
برغوث، الطيب (2015). مركزية شرط الوعي في النهضة الحضارية، مجلة البلاغ الحضاري.
بلقزيز، عبد الإله (1997). النظام الإعلامي السمعي – البصري الغربي، في مجموعة مؤلفين، إشكالية العلاقة الثقافية مع الغرب، مركز دراسات الوحدة العربية.
بن نبي، مالك .(2000) شروط النهضة، (ط. 4)، دار الفكر.
بورديو، بيير .(2004) التليفزيون وآليات التلاعب بالعقول، ترجمة درويش الحلوجي، دار كنعان للدراسات والنشر والخدمات الإعلامية.
بيرغر، آرثر آسا .(2012) وسائل الإعلام والمجتمع: رؤية نقدية (ترجمة صالح خليل أبو أصبع)، سلسلة عالم المعرفة (386)، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.
توفلر، ألفن .(1990) حضارة الموجة الثالثة، ترجمة عصام الشيخ قاسم، الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان.
تورين، ألان .(2011) براديغما جديدة لفهم عالم اليوم، ترجمة جورج سليمان، مركز دراسات الوحدة العربية.
الديك، إسكندر، والأسعد، مصطفى .(1993) دور وسائل الإعلام والاتصال في التنمية الشاملة، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع.
ريمون، ماثياس (2016). مديرو تسيير الرأي: من يسيطر على وسائل الإعلام؟. في ب. بادي ود. فيدال (محررون)، من يحكم العالم: أوضاع العالم 2017 م، ترجمة نصير مروة، مؤسسة الفكر العربي.
السماسيري، محمود يوسف .(2008) فلسفات الإعلام المعاصر في ضوء المنظور الإسلامي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي.
عبد الرحمن، عواطف .(1983) قضايا التبعية الإعلامية والثقافية في العالم الثالث، سلسلة عالم المعرفة (78)، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.
عزي، عبد الرحمن .(2009) دراسات في نظرية الاتصال: نحو فكر إعلامي متميز، مركز دراسات الوحدة العربية.
فريكه، تورستن، ونوفاك، أولريش .(2017) ملف غوغل, ترجمة عدنان عباس علي، سلسلة عالم المعرفة (450)، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.
لاتوش، سيرج .(1999) تغريب العالم: بحث حول دلالة ومغزى وحدود تنميط العالم، ترجمة خليل كلفت، ( ط. 2)، مطبعة النجاح الجديدة.
ماتلار، أرمان، وماتلار، ميشال .(2005) تاريخ نظريات الاتصال، ترجمة نصر الدين العياضي والصادق رابح، (ط- 3)، المنظمة العربية للترجمة.
ماركوز، هربرت .(1988) الإنسان ذو البعد الواحد، ترجمة جورج طرابيشي، (ط-3)، دار الآداب.
ماكفيل، توماس ل .(2012) الإعلام العالمي، ترجمة عبد الحكم أحمد الخزامى، دار الفجر للنشر والتوزيع.
المريط، مصطفى (2015). سؤال القيم في الثقافة: بين إشكالات التأصيل وإبداع البدائل، في كتاب سؤال القيم بصيغ متعددة، مركز نماء للبحوث والدراسات.
المريط، مصطفى (2020). نظريات الإعلام والاتصال بالوطن العربي من قبضة البراديغمات المؤسسة إلى تحديات المشروع القيمي، دورية دراسات في العلوم الإنسانية والاجتماعية.
موران، إدغار .(2012) هل نسير إلى الهاوية؟، ترجمة عبد الرحيم حزل، دار إفريقيا الشرق.
ميكشيللي، أليكس .(1993) الهوية، ترجمة علي وطفة، دار الوسيم للخدمات الطباعية.
هارتلي، جون، وآخرون(2007) ، الصناعات الإبداعية: كيف تنتج الثقافة في عالم التكنولوجيا والعولمة؟، ترجمة بدر السيد سليمان الرفاعي، سلسلة عالم المعرفة (338)، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.
Arendt, H. (1972). La crise de la culture. Gallimard.
Boudon, R. (1984). La place du désordre: Critique du changement social. Presses Universitaires de France.
Golding, P. (1974). Media role in national development: A critique of a theoretical orthodoxy. Journal of Communication, 24(3).
Katz, E., & Wedell, G. (1979). Broadcasting in the Third World: Promise and Performance. The Journal of Asian Studies, 38(2).
Latouche, S. (2001, May). Les mirages de l’occidentalisation du monde: En finir, une fois pour toutes, avec le développement. Le Monde Diplomatique.
Miège, B., Huet, A., Ion, J., Lefèbvre, A., & Peron, R. (1984). Capitalisme et industries culturelles (2nd ed.). Presses Universitaires de Grenoble.
Moles, A. (1967). Socio-dynamique de la culture. Mouton et Cie.
UNESCO. (1981). Cultural development – some regional experience. UNESCO Press.
Conflict of Interest: The author(s) declare that they have no financial, personal, or professional interests that could have influenced the design, conduct, results, or interpretation of this research. sign, conduct, results, or interpretation of this research. |
Disclaimer / Publisher’s Note: The views, ideas, conclusions, and data expressed in the published articles are solely those of the respective authors and contributors and do not necessarily reflect the views of the University Forum Journal for Humanities and Applied Studies (UFJHAS), the Editorial Board, or the publisher. The Journal, the Editorial Board, and the publisher disclaim any responsibility for any errors, damages, or consequences arising from the use of the information, ideas, methods, procedures, or recommendations presented in the published article. |