Article
Challenges facing Arab partisan media in preserving national identities
* Ahmed Musaed Ahmed AL Gahdari
Media, Humanities, Beirut Arab University, Beirut, Lebanon
تحديات الإعلام الحزبي العربي في الحفاظ على الهويات الوطنية
أحمد مسعد أحمد الجحدري *
قسم الإعلام، كلية الآداب، جامعة بيروت العربية، بيروت، لبنان
* Corresponding author. E-mail address: ahmedmalgahdari@gmail.com
Article history | ||
Received: 24 - 12 - 2026 | Accepted: 19 - 2 - 2026 | Published: 1 – 3 - 2026 |
الملخص: تتناول هذه الدراسة تحديات الإعلام الحزبي العربي تجاه المحافظة على الهوية الوطنية، وتندرج ضمن البحوث الوصفية، وتكونت الدراسة من مقدمة، ومحورين: تناول المحور الأول مدخلًا نظريًا للهوية الوطنية من حيث: مفهومها، وخصائصها، والتحديات المؤثرة عليها. وتناول المحور الثاني وسائل الإعلام الحزبي، من حيث: تعريفها، والتحديات البيئية التي تواجهها، وتوصلت الدراسة إلى عدد من النتائج، من أهمها: ضعف التوازن بين البعد الحزبي والبعد الوطن، تغليب المصالح الحزبية على المصالح العامة، تعزيز الاستقطاب على حساب التماسك الاجتماعي، ترسيخ الهوية الحزبية أكثر من الهوية الوطنية، ترسيخ الهوية الحزبية أكثر من الهوية الوطنية. واوصت الدراسة عدد من التوصيات من أهمها: تعزيز التعاون بين وسائل الإعلام الحكومية والحزبية والخاصة ومؤسسات المجتمع المختلفة لترسيخ قيم المواطنة والانتماء والمحافظة على الهوية الوطنية.
الكلمات المفتاحية: الإعلام، الإعلام الحزبي، الهوية الوطنية، الانتماء الوطني، التماسك الاجتماعي. |
Abstract: This study examines the challenges facing Arab partisan media in preserving national identity. It falls within the scope of descriptive research and is structured around an introduction and two main sections. The first section provides a theoretical framework for national identity, addressing its concept, characteristics, and the challenges affecting it. The second section discusses partisan media in terms of its definition and the environmental challenges it faces. The study reached several key findings, most notably: the weak balance between partisan and national dimensions; the prioritization of partisan interests over public interests; the reinforcement of political polarization at the expense of social cohesion; and the consolidation of partisan identity more strongly than national identity. The study also proposed several recommendations, the most important of which is enhancing cooperation among governmental, partisan, and private media institutions, as well as various civil society organizations, in order to promote the values of citizenship and national belonging and to preserve national identity.
Keywords: Media, Partisan Media, National Identity, National Belonging, Social Cohesion. |
- المقدمة:
تشهد المجتمعات العربية في العقود الأخيرة جملةً من التحولات والتحديات السياسية والاجتماعية والثقافية التي ألقت بظلالها على مفهوم الهوية الوطنية ومدى تماسكها. وقد برزت في هذا السياق نزعات طائفية وحزبية و مناطقية وقومية فرعية تنافس الانتماء الوطني، الأمر الذي أسهم في إضعاف الشعور بالولاء للدولة الوطنية في بعض المجتمعات العربية، وأوجد حالة من الاستقطاب والانقسام انعكست على الاستقرار السياسي والاجتماعي. كما تزامنت هذه التحولات مع تغيرات متسارعة في البيئة الإعلامية، التي أصبحت أحد أهم الفاعلين في تشكيل الرأي العام والتأثير في منظومة القيم والاتجاهات المجتمعية.
وتتحمل مؤسسات التنشئة الاجتماعية، بدءًا من الأسرة والمدرسة ووصولًا إلى المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية، مسؤولية أساسية في ترسيخ الهوية الوطنية وتعزيز قيم المواطنة والانتماء الوطني. إلا أن التحولات التي شهدها القطاع الإعلامي أدت إلى ظهور أنماط متعددة من المؤسسات الإعلامية، من بينها الإعلام التجاري والإعلام الحكومي والإعلام الحزبي، ولكل منها أهدافه وأولوياته التي قد تتقاطع أو تتعارض مع متطلبات الحفاظ على الهوية الوطنية وتعزيز التماسك المجتمعي.
ويُعد الإعلام الحزبي أحد أبرز أشكال الإعلام السياسي، إذ يؤدي دورًا مهمًا في التواصل بين الأحزاب السياسية والجمهور، وفي عرض البرامج السياسية وتشكيل المواقف والاتجاهات العامة. وقد ارتبط تطور هذا النوع من الإعلام في العديد من الدول العربية بمسار التحولات السياسية والتعددية الحزبية التي شهدتها المنطقة منذ تسعينيات القرن العشرين، حيث سعت الأحزاب السياسية إلى إنشاء وسائل إعلام خاصة بها بهدف التعريف بأفكارها وبرامجها وتعزيز حضورها في المجال العام، بعيدًا عن هيمنة وسائل الإعلام الرسمية.
غير أن انخراط الإعلام الحزبي في المنافسة السياسية والصراعات الأيديولوجية دفع بعض وسائله إلى التركيز على الأهداف الحزبية الضيقة على حساب الأدوار المجتمعية والوطنية الأوسع، الأمر الذي أثار تساؤلات حول مدى التزامه بالمساهمة في تعزيز الوحدة الوطنية والحفاظ على القيم المشتركة والهوية الجامعة. وفي ظل ما تواجهه المجتمعات العربية من تحديات داخلية وخارجية، وما تشهده من تغيرات ثقافية وسياسية متسارعة، تبرز أهمية دراسة دور الإعلام الحزبي ومسؤوليته في دعم الهوية الوطنية وترسيخ قيم الانتماء والمواطنة.
ومن هذا المنطلق، تسعى هذه الدراسة إلى بحث تحديات الإعلام الحزبي العربي وانعكاساتها على الهوية الوطنية، وتحليل مدى قدرة هذا الإعلام على التوفيق بين وظائفه السياسية والحزبية من جهة، ومسؤوليته الوطنية والمجتمعية من جهة أخرى، بما يسهم في تعزيز التماسك الاجتماعي وحماية الهوية الوطنية في ظل المتغيرات الراهنة.
أولاً، الإطار المنهجي للدراسة:
1- إشكالية الدراسة وتساؤلاتها:
تُعد الهوية الوطنية أحد المرتكزات الأساسية لاستقرار الدول وتماسك مجتمعاتها، إذ تمثل الإطار الجامع الذي يوحّد أفراد المجتمع على اختلاف انتماءاتهم الاجتماعية والسياسية والثقافية. إلا أن العديد من الدول العربية شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولات سياسية واجتماعية متسارعة أسهمت في بروز انتماءات فرعية ذات طابع حزبي أو طائفي أو مناطقي، الأمر الذي انعكس على درجة التماسك الوطني وأثار تحديات متزايدة أمام الحفاظ على الهوية الوطنية الجامعة.
وفي ظل هذه التحولات، برز الإعلام الحزبي بوصفه فاعلًا مؤثرًا في تشكيل الرأي العام وصياغة الاتجاهات الفكرية والسياسية للجمهور. وبينما يُفترض أن يسهم هذا النوع من الإعلام في تعزيز الوعي الوطني وترسيخ قيم المواطنة والانتماء، فإن انخراطه في المنافسات والصراعات السياسية قد يجعله أكثر تركيزًا على المصالح والأجندات الحزبية، بما قد يؤثر في دوره الوطني ويحد من مساهمته في تعزيز الهوية الوطنية والحفاظ عليها.
ومن هنا تنبع إشكالية الدراسة من محاولة الكشف عن طبيعة العلاقة بين الإعلام الحزبي والهوية الوطنية، ومدى قدرة وسائل الإعلام الحزبية على أداء دورها في تعزيز الانتماء الوطني في ظل التحديات السياسية والاجتماعية والإعلامية الراهنة. وعليه، تتحدد مشكلة الدراسة في التساؤل الرئيس الآتي: ما التحديات التي تواجه الإعلام الحزبي في الحفاظ على الهوية الوطنية؟
وينبثق عن هذا التساؤل الرئيس عدد من التساؤلات الفرعية، هي:
ما مفهوم الهوية الوطنية وأهم خصائصها؟
ما المقومات والعوامل التي تسهم في تعزيز الهوية الوطنية؟
ما أبرز التحديات التي تواجه الإعلام الحزبي في مجال الحفاظ على الهوية الوطنية؟
ما الآليات التي يمكن أن تسهم في تعزيز دور الإعلام الحزبي في حماية الهوية الوطنية والحفاظ عليها؟
2- أهمية الدراسة:
تتجلى أهمية هذه الدراسة في النقاط الآتية:
أولًا: الأهمية النظرية:
إثراء الأدبيات العلمية المتعلقة بالإعلام الحزبي والهوية الوطنية من خلال دراسة العلاقة بينهما في السياق العربي المعاصر.
الإسهام في فهم التحديات السياسية والاجتماعية والإعلامية التي تؤثر في دور الإعلام الحزبي في الحفاظ على الهوية الوطنية.
توفير إطار معرفي يساعد الباحثين على تطوير دراسات مستقبلية في مجالات الإعلام السياسي والهوية الوطنية والتماسك الاجتماعي.
ثانيًا: الأهمية التطبيقية:
تقديم نتائج وتوصيات يمكن أن تستفيد منها المؤسسات الإعلامية الحزبية في تطوير خطاب إعلامي داعم للهوية الوطنية.
مساعدة صانعي السياسات الإعلامية في وضع استراتيجيات تعزز قيم المواطنة والانتماء والوحدة الوطنية.
دعم جهود مؤسسات التنشئة الاجتماعية والإعلامية في مواجهة التحديات التي تهدد الهوية الوطنية وتعزيز التماسك الاجتماعي.
3- أهداف الدراسة:
تسعى الدراسة إلى تحقيق الأهداف الآتية:
التعرف على مفهوم الهوية الوطنية وأهم خصائصها.
معرفة كيف يؤثر الإعلام الحزبي في تشكيل الوعي الوطني وتعزيز قيم المواطنة والانتماء.
اظهار أبرز التحديات التي تواجه الإعلام الحزبي في مجال الحفاظ على الهوية الوطنية.
كشف الآليات التي يمكن أن تسهم في تعزيز دور الإعلام الحزبي في حماية الهوية الوطنية والحفاظ عليها.
4- مصطلحات الدراسة:
تحتاج الدراسة إلى تعريف عدد من المصطلحات، منها:
- الإعلام الحزبي: يعرف الإعلام الحزبي بأنه: "النشاط الذي يقوم على تقديم معلومات ونشر أفكار وأيديولوجيات ومواقف الحزب السياسي تجاه مختلف الأحداث لتشكيل الرأي العام المساند له والمدافع عنه والمرتبط بمصالحه (وهيبة، 2022).
- الهوية: تُعرَّف الهوية بأنها: "مزيجٌ من الخصائص الاجتماعية والثقافية التي يشترك فيها الأفراد، ويمكنُ على أساسها التمييز بين مجموعةٍ وأُخرى" (عبد الباقي، 2023).
- الهوية الوطنية: وتعرف الهوية الوطنية بأنها: "مجموع السمات والخصائص المشتركة سواء أكانت تاريخية أو ثقافية أو أنثروبولوجية أو اجتماعية أو نفسية أو سياسية، وكذلك الشعور بالتضحيات لمجتمع يقطن وطنًا معينًا عن غيره، وفي ظل حكومة تمثل كل أو معظم هذا المجتمع، ويعتز بها وتشكل جوهر وجوده وشخصيته المتميزة ويدين المجتمع بالولاء لها"(الشهيل، 2021).
5- الدراسات السابقة:
عرض الباحث عدداً من الدراسات المتصلة بموضوع الدراسة الحالية على النحو الآتي:
1- الميلادي، نور الدين، وآخرون (2023) الإعلام الرقمي، الشباب والهوية الوطنية في دولة قطر، هدفت إلى دراسة استخدامات الشباب القطري لشبكات التواصل الاجتماعي ودورها في تشكيل الهوية الوطنية، وتقع الدراسة تحت البحوث الوصفية واستخدمت المنهج المسحي، واعتمدت على أداتي: الاستبيان، والمقابلة المقننة لجمع البيانات عن العينة البالغ حجمها (532) مشاركاً، وتوصلت الدراسة إلى عدد من النتائج أهمها: أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي للشباب القطري التعبير الحر عن الرأي في القضايا التي تعنيهم وترتبط بمجتمعهم وثقافتهم، أن الهوية الوطنية للشباب القطري تتشكل عن طريق تأثرهم بمحيطهم الاجتماعي ومؤسسات المجتمع المختلفة مع زيادة تأثير منصات التواصل الاجتماعي.
2- بروكمان، وكالا (Kalla Broockman)، (2022). التأثيرات المتعددة لوسائل الإعلام الحزبية على معتقدات المشاهدين ومواقفهم: تجربة ميدانية مع مشاهدي فوكس نيوز. هدفت الدراسة إلى معرفة مدى تأثير وسائل الإعلام الحزبي على سلوك التصويت، وكيف تُغيٍّر في مواقف ومعتقدات المشاهدين، وتقع الدراسة تحت البحوث الوصفية، واستخدمت الدراسة أداة الاستبيان لجمع البيانات اللازمة للدراسة، طبقت على عيّنة قوامها 763 فرداً، وتوصلت الدراسة إلى عدد من النتائج أهمها: أن وسائل الإعلام الحزبية تشارك في وضع الأجندة، تصنف التغطية بالحزبية وتؤثر على معتقدات المشاهدين وتصوراتهم لأهمية القضايا. إن وسائل الإعلام الحزبية لا تمثل تحدٍ على الحزب المعارض فحسب، بل قد تمثل تحدياً للديمقراطية.
3- الخضر، عبد الباقي محمد (2022) دور الإعلام في تعزيز الهوية الوطنية والانتماء، سعت الدراسة إلى معرفة دور الإعلام في تعزيز الهوية الوطنية وذلك لما تملكه من قوة مؤثرة في عملية دعم الجهود الرامية لتشكيل الوعي، ولبناء الاتجاه الإيجابي عن الهوية الوطنية، والحرص على التمسك بقيم الانتماء لدى الأفراد، وتوصلت الدراسة إلى عدد من النتائج، من أهمها: أنّ المتغيرات المتلاحقة في البيئة الاتصالية قد أثرت سلباً على وسائل الإعلام المحلية خاصة القنوات التلفزيونية في الاهتمام بما يخدم الهوية الوطنية، بسبب طغيان المبدأ التجاري وإنتاج ما يجلب الإعلانات.
- دراسة Weeks (2021). الإعلام الحزبي، ومواقع إخبارية غير موثوقة، وتصورات سياسية خاطئة. هدفت الدراسة إلى معرفة العلاقة بين التعرض للإعلام الحزبي ، والمواقع الإخبارية على الانترنت غير الجديرة بالثقة والتصورات السياسية الخاطئة، والتي ترى أن الوسائل الإخبارية الحزبية غالباً تغطي القضايا بطريقة يفضلها حزب سياسي على الآخر، أو تنتقد المعارضين السياسيين، وتقع الدراسة تحت البحوث الوصفية، واعتمدت على المنهج المسحي، واستخدم الباحث أداة الاستبيان لجمع البيانات عن العيّنة البالغ حجمها (764) مشاركاً، وتوصلت الدراسة إلى عدد من النتائج أهمها: إن زيارة المواقع الحزبية أقل تأثيراً حول الادعاءات الكاذبة لصالح الحزب، مقارنة بالأعلام غير الحزبي. تستخدم المواقع لتضليل الرأي العام الأمريكي. إن وسائل الإعلام الحزبية لديها القدرة على تعزيز المعتقدات الخاطئة.
4- الشهيل، عهود بنت سلطان (2021) دور الإعلام في تعزيز الهوية السعودية2030، هدفت الدراسة إلى تحديد وفهم ضوابط العلاقة التي تحكم الإعلام بالهوية السعودية، فالهدف الرئيس هو التعرف على دور وسائل الإعلام السعودية (التقليدية والحديثة) في تعزيز الهوية الوطنية في ظل التغيرات التقنية التي لها آثار اجتماعية، وتوصلت الدراسة إلى عدد من التوصيات أهمها: لا بدّ أن يكون هناك تواصل فعال ومؤثر خاص بوسائل الإعلام الحديث التي تحتاج إلى مهارات إعلامية، نظرًا لدورها المعقد في عصرنا الحالي. أهمية إشراك جميع المؤسسات سواء الحكومية أو الخاصة في توظيف الإعلام لبلورة الهوية الوطنية.
5- دراسة لونج، جاكوب وإيفلاند، ويليام وسلاتر، مايكل (2019). الانتقائية الإعلامية الحزبية وتهديد الهوية الحزبية: دور السياق الاجتماعي والجغرافي. سعت الدراسة إلى فهم أفضل لسبب انتقائية وسائل الإعلام الحزبية وتهديدها للهوية الحزبية، وتقع الدراسة تحت البحوث الصفية، واستخدمت المنهج المسحي، وأداة الاستبيان لجمع البيانات عن العيِّنة، طبقت على عينة قوامها(800) مشاركاً، وتوصلت الدراسة إلى عدد من النتائج أهمها: وجود علاقة إيجابية بين تهديد الهوية الحزبية على مستوى المقاطعة وبين انتقائية وسائل الإعلام الحزبية. ضعف تهديد الهوية بشكل أكبر بين أولئك الذين لديهم انتماء حزبي أقوى.
التعليق على الدراسات السابقة: تفيد الدراسات السابقة الدراسة الحالية في النقاط الآتية:
- أفاد الباحث من التراكم المعرفي والتراث العلمي الذي قدمته الدراسات السابقة في صياغة مشكلة الدراسة وأهدافها، واختيار المنهج المناسب للدراسة.
- أكدت الدراسات السابقة على أهمية وسائل الإعلام في المحافظة على القيم والهويات الوطنية.
- تتميز هذه الدراسة عن الدراسات السابقة في تركيزها على الإعلام السياسي، والمتمثل في الإعلام الحزبي، وتقديم تعريف للإعلام الحزبي، وعرض وظائفه وسماته وخصائصه، ودور الإعلام في المحافظة على الهوية الوطنية، وتقديم مقترحات، وتوصيات قد تكون نقطة انطلاقة للوسائل الإعلامية عامة، والحزبية خاصة في تحمل المسؤولية من أجل المحافظة على الهوية الوطنية.
6- منهج الدراسة:
تقع الدراسة تحت البحوث الوصفية التحليلية، واستخدمت المنهج المقارن بدأً بمقارنة مهام وأهداف ووظائف الإعلام الحزبي، مع وظائف وسائل الإعلام الاخلاقية تجاه المجتمع، وبيان التحديات التي تواجه المحافظة على الهوية الوطنية.
ثانياً: الهوية الوطنية:
نعرض في الإطار النظري للدراسة الهوية الوطنية؛ تعريفها، خصائصها، التحديات التي تواجهها. والإعلام الحزبي، تعريفة، والتحديات التي يواجهها، كما نقدم نموذج مقترحات لوسائل الإعلام والاعلامين للعمل على تجاوز التحديات التي تواجه المحافظة على الهويات الوطنية العربية.
1- تعريف الهوية الوطنية:
تتغير تعريفات الهوية الوطنية وفقاً للتخصصات التي تتناولها، وهنا سنتناول بعض من هذه التعريفات. يعَّرف علماء النفس وعلماء التربية الهوية بأنها: "مجموعة الصفات والخصائص الجسمية والعقلية والخلقية والنفسانية والوجدانية والمزاجية التي يتصف بها الإنسان على المستوى الفردي، وكذلك على المستوى الجمعي وتميزه عن غيره من الناس"(تركي، 1971). وتُعرَّف الهوية أيضًا بأنها: "مجموعةُ الانتماءات التي ينتمي إليها الفرد، وتُحدِّد سلوكه، أو إدراكه لنفسه" (Vignoles, 2017). وتشهد الهوية تحوُّلات دائمة، فهي تتغيَّر وتتطوَّر مع الزمن وتتغير مع تغير عمر الفرد ومكانه. وتعد الهوية الوطنية من أهم السمات التي تميز المجتمع، فمن خلالها تجسد الآمال والطموحات المستقبلية لدى الأفراد خاصة في الدول الفقيرة، حيث تترجم روح الانتماء لديهم وتبرز معالم التطور في سلوكهم (Grotenhuis, 2016)، وهي ذات أهمية بالغة في رفع مكانة المجتمع وازدهاره، وعلى ضوء ذلك تعددت تعاريف الهوية الوطنية حسب المجال والاختصاص الذي تدرس فيه.
كما تعرف الهوية الوطنية بأنها: "مجموعة من السمات التي تلازم شعباً ما والتي ينفرد ويتميز بها عن باقي الشعوب الأخرى، وتتعلق بإبراز أحوال روحية وفكرية وسيكولوجية جماعية يتميز بها شعب من الشعوب، ترسخ له الوجود على قطعة من الأرض عُرف بها وعُرفت به" (عشراني، 2002). ويعرفها "نيبورغ Nieburg" الهوية الوطنية بأنها: "وسيلة يتم من خلالها تعريف الثقافة من خلال هذه المفاهيم الأساسية المحدودة (الوجود). ويرتبط الوجود بـ (الانتماء) في مفاهيم المواطنة" (أبو ضهير، أردنية، 2023). ويعرف "تاجفل Tajfel " الهوية الوطنية بأنها "تشمل المعرفة الفردية للانتماء لمجموعة أو مجموعات اجتماعية مع القيم والأهمية العاطفية المرتبطة بهذه العضوية"(Tajfel, 1981).
وعليه يمكن القول بأن الهوية الوطنية هي: نتاج اجتماعي تاريخي ثقافي عام تعطي المجتمع شعوراً بأنهم مترابطون ببعضهم البعض متجاوزةً أحيانًا كل الولاءات الطبقية والمذهبية، ويقود هذا الشعور إلى الانتماء وتدعيم فكرة الكيان السياسي والاجتماعي والجغرافي للوطن الواحد.
ومما يؤكد معنى أو مفهوم الهوية الوطنية أنها لا تشير فقط إلى الانتماء للأرض داخل الحدود السياسية بقدر ما تؤكد الالتزام الأخلاقي بمجموعة من القيم والأخلاق التي تعكس أفعالًا تعزز الاستقرار في الوطن والدفاع عنه والتقيد بنظامه واحترام قوانينه، وتعني كذلك الانتظام في المجتمع وفق مبدأ أخلاقي ضمن نسيج اجتماعي متماسك، قائم على التعاون والمحبة واحترام العادات والتقاليد والأسرة والبيئة، والتمسك بالقيم الدينية السائدة واحترام الرأي الآخر ووجهة نظره ما لم تمس القيم والنظام العام وسيادة الوطن.
2- خصائص الهوية الوطنية:
تستند الهوية الوطنية لأي مجتمع إلى مجموعة من الخصائص والعناصر الأساسية التي تمنحه خصوصيته وتميزه عن غيره من المجتمعات والأمم. وقد أشار الباحثون إلى أن هذه الخصائص قد تختلف في تفاصيلها من مجتمع إلى آخر، إلا أنها تمثل في مجملها الأساس الذي تتشكل من خلاله هوية الأمة وتماسكها. ويمكن تناول أبرزها على النحو الآتي:
1- الوطن: يُعد الوطن أحد أهم مرتكزات الهوية الوطنية، ويشمل الأرض والإنسان وما يرتبط بهما من أبعاد تاريخية وزمنية تعكس مسيرة المجتمع وتطوره. كما يتضمن مختلف الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تتشكل في إطارها حياة الأفراد والجماعات. ومن خلال التفاعل المستمر بين العوامل البشرية والطبيعية تتكون شخصية المجتمع وخصوصيته الثقافية والحضارية التي تميزه عن غيره (فنان، 1994(.
2- اللغة: تُعد اللغة من أبرز المكونات التي تعبر عن الهوية الوطنية وتجسدها أمام الآخرين، فهي أداة التواصل الرئيسة وحاملة الثقافة والقيم والمعارف. وتشير الدراسات إلى أن اللغة، إلى جانب بعض المظاهر الثقافية الأخرى كأنماط اللباس، تمثل علامة مميزة لهوية المجتمع (Triandafyllidou, 1998)، كما تُعد عاملًا أساسيًا في تكوين الأمة وتعزيز وحدتها الثقافية (السيد، الأنصاري، ترانج، آل ثاني، 2019). وتكتسب اللغة العربية مكانة خاصة في المجتمعات العربية لارتباطها بالقرآن الكريم، الأمر الذي عزز حضورها بوصفها أحد أهم خصائص الهوية العربية.
3- الدين: يمثل الدين عنصرًا محوريًا في بناء الهوية الوطنية؛ لما له من تأثير عميق في منظومة القيم والمعتقدات والسلوكيات لدى الأفراد. وقد وصف الآباء المؤسسون لعلم الاجتماع، وهم: ماركس (Marx)، وفيبر (Weber)، ودوركهايم (Durkheim) الدين بأنه أحد العناصر المؤثرة في التنمية الاجتماعية الحديثة .(Lazić & Pešić, 2016) كما يسهم الدين في ترسيخ المبادئ الأخلاقية والقيم المجتمعية التي توجه سلوك المواطنين وتؤثر في مختلف جوانب حياتهم العامة والخاصة.
4- التراث الثقافـي والحضاري: يُشكل التراث الثقافي والحضاري ركيزة أساسيـة في بناء الهوية الوطنية، إذ يتكون من الموروثـات الفكرية، والثقافيـة، والقيـم، والعادات، والتقاليد التي تراكمت عبر الأجيال والعصور (Plakhotnik & Rocco, 2011) كما يشمل مختلف الإبداعات والإنجازات التي يحققها أبناء الوطن في المجالات الفكرية والأدبية والفنية والروحية، والتي تعبر عن شخصيتهم الجماعية وتميزهم الحضاري (الجراري، عباس، 2013(.
ومن خلال استعراض هذه المقومات يتضح أن الهوية الوطنية تقوم على منظومة متكاملة من العناصر المادية والمعنوية التي تسهم في تعزيز الانتماء والولاء للوطن. وفي السياق العربي، تتجسد هذه المقومات في العديد من القواسم المشتركة، وفي مقدمتها اللغة العربية، والتراث الثقافي والحضاري، والامتداد التاريخي المشترك، فضلًا عن منظومة القيم التي شكلت عبر الزمن أساسًا للهوية العربية، بما يعزز الروابط الثقافية والحضارية بين الشعوب العربية مع احتفاظ كل دولة بخصوصيتها الوطنية.
3: التحديات المؤثرة على الهويات الوطنية العربية:
تواجه الهوية الوطنية في العصر الرقمي مجموعة من التحديات الإعلامية الناتجة عن التطورات المتسارعة في وسائل الاتصال وتدفق المحتوى الإعلامي عبر الحدود، الأمر الذي أسهم في زيادة التأثيرات الثقافية والفكرية العابرة للمجتمعات. وتتمثل أبرز هذه التحديات فيما يأتي:
- الإعلام الغربي: تؤدي وسائل الإعلام الأجنبية دورًا مؤثرًا في تشكيل الاتجاهات الثقافية والقيمية لدى الجمهور، وذلك من خلال ما تقدمه من مضامين إعلامية متنوعة تتمتع بدرجة عالية من الجاذبية والتأثير. وتأتي الأفلام السينمائية وأفلام الرسوم المتحركة في مقدمة هذه الوسائل؛ نظرًا لاستهدافها الفئات العمرية الصغيرة خلال مراحل التنشئة الاجتماعية، الأمر الذي قد ينعكس على إدراكهم لذواتهم وانتماءاتهم الثقافية والوطنية، ويؤثر في تشكيل هويتهم الاجتماعية (الغفيلي، 2022).
كما أسهمت القنوات الفضائية وشبكة الإنترنت في توسيع دائرة التأثير الثقافي والفكري عبر نقل أنماط حياتية وقيم وسلوكيات مختلفة عن البيئة المحلية، وهو ما قد يؤدي إلى إحداث تغيرات في منظومة القيم الاجتماعية والأسرية السائدة داخل المجتمع (القاعود؛ القاعود، 2017).
وفي هذا السياق، توصلت دراسة الباحثة هلا الصايغ حول تأثير الإعلام الغربي في المرأة الإماراتية، والتي أُجريت في جامعة الروح القدس – الكسليك بلبنان، إلى وجود تأثير ملحوظ لوسائل الإعلام الغربية، ولا سيما الإنتاج الإعلامي الأمريكي، في الجوانب الاجتماعية والثقافية لدى المرأة الإماراتية العاملة.
عليه، فإن مواجهة آثار الإعلام المستورد لا تتحقق من خلال المنع أو الحجب فقط، وإنما من خلال تطوير صناعة إعلامية وطنية قادرة على إنتاج محتوى جاذب ومنافس يعكس قيم المجتمع وثقافته، ويسهم في تعزيز الوعي والانتماء الوطني، مع توظيف الوسائط الإعلامية الحديثة لخدمة قضايا المجتمع والمحافظة على هويته الثقافية والوطنية.
- الإعلام الحديث (وسائل التواصل الإجتماعي): أصبحت وسائل الإعلام الإلكترونية والأجهزة الذكية من أكثر الوسائل تأثيرًا في تشكيل الوعي والاتجاهات الاجتماعية، خاصة مع اتساع نطاق استخدامها بين مختلف الفئات العمرية. وتشير دراسة (Eveland, Jacob, & Slate, 2019) حول "انتقائية وسائل الإعلام الحزبية وتهديد الهوية" إلى أن تعدد الشبكات والعلاقات الشخصية عبر الإنترنت قد يسهم في تعزيز أو تهديد بعض أشكال الهوية الاجتماعية. ومن أبرز التحديات المرتبطة بهذه الوسائل انتشار استخدامها بين الأطفال في مراحل عمرية مبكرة، الأمر الذي قد يؤثر في عمليات التنشئة الاجتماعية واكتساب اللغة والقيم الثقافية المرتبطة بالهوية الوطنية. كما تشير بعض الدراسات إلى أن التعرض المكثف للمحتوى الرقمي العالمي قد يسهم في نقل قيم وأنماط ثقافية جديدة إلى المجتمعات المحلية (Psarrou, 2014).
وفي المقابل، يمكن توظيف الإعلام الإلكتروني وشبكات التواصل الاجتماعي بوصفها أدوات داعمة للهوية الوطنية من خلال تعزيز المحتوى المحلي، وزيادة إنتاج المواد الثقافية والتوعوية، وتطوير منصات رقمية تعبر عن خصوصية المجتمعات العربية والإسلامية وتسهم في ترسيخ قيم الانتماء والمواطنة (كيشانه، 2017(.
-التلقي العشوائي للمضامين الإعلامية: تؤدي عملية التلقي الإعلامي دورًا محوريًا في تشكيل المعرفة والثقافة والاتجاهات الفكرية لدى الأفراد، مما يجعل من الضروري تنمية مهارات التلقي النقدي والوعي الإعلامي لدى الجمهور. ومع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي وتعدد مصادر المعلومات، أصبح الأفراد أكثر عرضة لاستقبال كميات كبيرة من المحتوى دون التحقق من مصداقيته أو أهدافه.
تزداد أهمية هذه المسألة لدى الفئات العمرية الصغيرة؛ إذ تشير الدراسات إلى أن العمر يعد عاملًا مؤثرًا في تشكل الهوية الوطنية وفي عمليات التنشئة الاجتماعية .(Windari, 2021)كما أن بعض المنصات الإعلامية والرقمية قد تعطي الأولوية لزيادة نسب المشاهدة والتفاعل على حساب جودة المحتوى أو انسجامه مع القيم المجتمعية.
لذلك تبرز الحاجة إلى تعزيز التربية الإعلامية لدى النشء، وتنمية قدراتهم على التحقق من المعلومات وتحليل الرسائل الإعلامية بصورة نقدية، إلى جانب دور وسائل الإعلام الوطنية، بما فيها وسائل الإعلام الحزبية، في تقديم محتوى توعوي يواجه الأفكار المتطرفة والمعلومات المضللة ويسهم في تعزيز الهوية الوطنية.
- الصورة النمطية: تسهم وسائل الإعلام في تشكيل الصور الذهنية والانطباعات العامة عن الأفراد والمجتمعات من خلال التكرار المستمر للرسائل الإعلامية. وقد يؤدي هذا التكرار إلى ترسيخ صور نمطية إيجابية أو سلبية تبعًا لطبيعة الرسالة الإعلامية وأهدافها.
وتبرز خطورة الصورة النمطية السلبية عندما يتم تقديم مجتمع أو دولة بصورة مشوهة أو أحادية الجانب، من خلال التركيز على بعض الظواهر أو الممارسات السلبية وتعميمها على المجتمع بأكمله. كما قد تُستخدم بعض الشخصيات المؤثرة أو المضامين الترفيهية أو التقارير الإعلامية في تعزيز هذه الصور الذهنية وترسيخها لدى الجمهور (الهمص؛ وشلدان، 2009).
ويؤدي استمرار التعرض لهذه الصور النمطية إلى آثار بعيدة المدى، تتمثل في تكوين اتجاهات سلبية لدى الآخرين تجاه المجتمع المستهدف، وقد يمتد تأثيرها إلى أفراد المجتمع أنفسهم من خلال إضعاف الثقة بالذات وبالهوية الوطنية. ومن ثم فإن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تعزيز الخطاب الإعلامي المهني القائم على الموضوعية والتوازن، وإبراز الجوانب الإيجابية والإنجازات الوطنية بما يسهم في بناء صورة ذهنية واقعية ومتوازنة عن المجتمع.
ثالثًا: الإعلام الحزبي:
يعد الإعلام من أبرز الوسائل العملية الفاعلة التي تعتمد عليها الأحزاب السياسية لعرض نفسها على الجمهور وتقديم برامجها، ومواقفها تجاه الأحداث، وهنا سنتحدث عن الإعلام الحزبي من حيث التعريف، والمسؤولية، والتحديات.
-تعريف الإعلام الحزبي:
شهدت الحياة السياسية العالمية خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين تحولات متسارعة أثرت في طبيعة العلاقة بين الفاعلين السياسيين والجمهور، ولا سيما في المجتمعات التي تعاني من تنافسات وصراعات سياسية متباينة، ومن بينها العديد من الدول العربية. وقد انعكست هذه التحولات على وسائل الاتصال والإعلام التي أصبحت أداة رئيسة تستخدمها الأحزاب والقوى السياسية للتواصل مع الجمهور، والتأثير في الرأي العام، والترويج لبرامجها وأفكارها وتوجهاتها السياسية. ومن ثم، ارتبط تطور الإعلام الحزبي بتطور الحياة السياسية ومستوى المشاركة والتعددية الحزبية داخل الدولة.
وقد تعددت تعريفات الإعلام الحزبي تبعًا لاختلاف زوايا النظر إليه ووظائفه. فيُعرف بأنه: "إعلام مرتبط بمصالح شريحة معينة (حزب)، يعمل على ربطها بالجمهور والتعريف بالحزب وسياساته وأهدافه وخدماته، فضلًا عن نشر أفكاره وترسيخ توجهاته بين الجماهير" (طومان، 2010). كما يُعرف بأنه: "الإعلام الذي يمثل وجهة نظر حزب سياسي، سواء أكان حزبًا حاكمًا أم معارضًا، تجاه مختلف القضايا والموضوعات المطروحة في المجتمع" (أبو بكر، 1998.(
ويؤدي الإعلام الحزبي دورًا مهمًا في تعزيز حضور الأحزاب السياسية داخل المجتمع من خلال بناء قنوات اتصال مستمرة مع الجمهور، وتوضيح المواقف السياسية للحزب، وحشد التأييد لبرامجه وأهدافه. كما يمكن أن يسهم في تشكيل الصورة الذهنية للحزب لدى الرأي العام المحلي والخارجي، ويُستخدم في بعض الأحيان بوصفه أداة للدعاية السياسية الهادفة إلى إبراز إنجازات الحزب أو الدفاع عن مواقفه أمام الجماهير المختلفة.
وفي البيئات السياسية التي تشهد منافسة حزبية حادة، قد يتحول الإعلام الحزبي إلى أداة للتأثير في اتجاهات أنصار الأحزاب المنافسة والرأي العام عمومًا، من خلال توظيف الرسائل الإعلامية في الصراع السياسي ومحاولة كسب التأييد الشعبي، وهو ما يجعله أحد الفاعلين الرئيسين في تشكيل البيئة السياسية والفكرية داخل المجتمع (عبدة، 2004(.
وبالنظر إلى اتساع تأثير الإعلام الحزبي في تشكيل الرأي العام وصياغة الاتجاهات السياسية والاجتماعية، تبرز أهمية دراسة دوره في الحفاظ على الهوية الوطنية، ومدى قدرته على تحقيق التوازن بين خدمة أهدافه الحزبية ومسؤوليته تجاه القضايا الوطنية الجامعة، خاصة في ظل التحديات الإعلامية والسياسية والثقافية التي تواجه المجتمعات العربية في الوقت الراهن. وعرفة الباحث في بحث سابق بأنه: "كل عمل دعائي ينتج عنه تقديم معلومات وشرح أفكار ومعتقدات ومواقف وبرامج لحزب سياسي ما، ويمثل الناطق بلسان حاله، سواء استخدم في ذلك الوسائل الإعلامية التقليدية أو الوسائط الحديثة، تجاه مختلف القضايا والأحداث بما يخدم أهداف ذلك الحزب ويرسخ وجهة نظره في الرأي العام ويؤثر عليه" (الجحدري، 2025).
- مسؤولية الإعلام تجاه الهوية الوطنية:
تُعد وسائل الإعلام من أهم المؤسسات المجتمعية المؤثرة في تشكيل الوعي العام وترسيخ القيم والاتجاهات، الأمر الذي يجعلها شريكًا أساسيًا إلى جانب المؤسسات التربوية والثقافية والدينية في المحافظة على أمن الدولة ووحدتها وهويتها الوطنية، انطلاقًا من مبدأ المسؤولية الاجتماعية للإعلام. ويقتضي ذلك أن تضطلع وسائل الإعلام بدور فاعل في طرح القضايا الوطنية ومناقشتها، وتسليط الضوء على التحديات التي تواجه المجتمع، وتعزيز الوعي بأهمية الحفاظ على الهوية الوطنية والقيم الثقافية المشتركة، بما يسهم في ترسيخ الانتماء الوطني وتعزيز التماسك المجتمعي.
كما تبرز مسؤولية الإعلام في تشجيع مختلف المؤسسات الحكومية والأهلية والقطاع الخاص على المشاركة في معالجة القضايا الوطنية، وإيجاد بيئة حوارية تسهم في تنمية الشعور بالمسؤولية تجاه الوطن ومصالحه العليا. ويتطلب ذلك من وسائل الإعلام تبني مضامين إعلامية جاذبة وقادرة على المنافسة، بما يحافظ على اهتمام الجمهور ويحد من انجذابه إلى المضامين الإعلامية الأجنبية التي قد تحمل قيمًا أو أنماطًا ثقافية مغايرة لخصوصية المجتمع. ومن ثم، ينبغي أن يكون الحفاظ على الهوية الوطنية وصون الخصوصية الثقافية للمجتمع من الأهداف الأساسية التي توجه العمل الإعلامي. وتُنظر إلى مسؤولية الإعلام في المحافظة على الهوية الوطنية من خلال ثلاثة أبعاد رئيسة، هي: الإعلام، والتعليم والثقافة، والترفيه، وذلك على النحو الآتي:
- البعد الإعلامي:
يُعد الإعلام المصدر الرئيس للمعلومات والأخبار بالنسبة لقطاعات واسعة من الجمهور، وترتبط ثقة المواطنين بوسائل الإعلام بقدرتها على تزويدهم بالمعلومات الدقيقة والموضوعية والحديثة. كما تؤدي وسائل الإعلام دورًا مهمًا في نقل الأحداث والتطورات من مختلف المجتمعات إلى الجمهور المحلي، فضلًا عن نقل الأنماط الثقافية وأساليب الحياة المرتبطة بها (الشهيل، مصدر سابق). وعليه، فإن تقصير وسائل الإعلام الوطنية في أداء هذا الدور قد يدفع الجمهور إلى الاعتماد على مصادر إعلامية بديلة للحصول على المعلومات، بما قد ينعكس على منظومة القيم والاتجاهات السائدة في المجتمع.
- البعد التعليمي والثقافي:
لم يعد دور وسائل الإعلام مقتصرًا على نقل المعلومات والأخبار، بل امتد ليشمل وظائف تعليمية وثقافية وتنموية متعددة. فقد أصبحت وسائل الإعلام بمختلف أشكالها جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية للأفراد، وتمارس تأثيرًا ملموسًا في تشكيل المعرفة والاتجاهات والسلوكيات على المستويات كافة (الصلال، 2012). ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية توظيف الإعلام في نشر الثقافة الوطنية، وتعزيز الوعي بالقيم المجتمعية، وترسيخ مبادئ المواطنة والانتماء، بما يسهم في دعم الهوية الوطنية وحمايتها.
- البعد الترفيهي:
تؤدي وسائل الإعلام دورًا بارزًا في توفير الترفيه للجمهور، ويُعد هذا الدور من أكثر الوظائف الإعلامية حضورًا وانتشارًا. ويشمل ذلك الأفلام والمسلسلات والأغاني والبرامج الفنية وسائر المضامين الترفيهية الأخرى. ويمكن لهذا البعد أن يسهم إيجابًا أو سلبًا في تشكيل الهوية الوطنية تبعًا لطبيعة المحتوى المقدم؛ فكلما كان المحتوى مستمدًا من البيئة المحلية ومعبرًا عن ثقافة المجتمع وقيمه، ازداد دوره في تعزيز الهوية الوطنية وترسيخها. أما إذا كان المحتوى مستوردًا ويحمل أنماطًا ثقافية مغايرة، فقد يسهم في نقل قيم وسلوكيات جديدة تؤثر في إدراك الأفراد لهويتهم الثقافية والوطنية.
وفي هذا السياق، تمثل المواد الترفيهية إحدى الأدوات الفاعلة في نقل الثقافة بين الشعوب؛ إذ تعكس قيم المجتمع المنتج وعاداته وتصوراته، وعندما تُبث عبر وسائل الإعلام المختلفة فإنها تسهم في نشر تلك الثقافة والتأثير في جماهير المجتمعات الأخرى. ومن ثم، فإن توظيف المحتوى الترفيهي المحلي بصورة مهنية وجاذبة يمثل أحد المداخل المهمة لتعزيز الهوية الوطنية والمحافظة على القيم الثقافية للمجتمع.
- تحديات وسائل الإعلام الحزبي في المحافظة على الهوية الوطنية:
تُعد وسائل الإعلام الحزبية أحد أهم الفاعلين في البيئة الإعلامية والسياسية المعاصرة، نظرًا لما تمتلكه من قدرة على التأثير في الرأي العام وتشكيل الاتجاهات السياسية والاجتماعية للجمهور. وقد أكدت العديد من الدراسات التجريبية أن التعرض المستمر للمضامين الإخبارية التي تقدمها وسائل الإعلام الحزبية، ولا سيما لدى الأفراد الذين يتابعونها بصورة منتظمة، يسهم في تشكيل مواقفهم ومعتقداتهم واتجاهاتهم تجاه القضايا العامة وفقًا للأطر الفكرية والسياسية التي تتبناها تلك الوسائل (Cieszak, 2021). وتزداد أهمية هذه المسألة في المجتمعات التي تشهد انقسامات سياسية أو أيديولوجية، حيث يصبح الإعلام الحزبي أحد المصادر الرئيسة للمعلومات والتفسيرات المتعلقة بالشأن العام.
بالعودة إلى الأدبيات التي تناولت الإعلام الحزبي من حيث مفاهيمه وأهدافه ووظائفه وخصائصه وأساليبه المهنية، يتضح أن التحدي الرئيس الذي يواجه هذا النوع من الإعلام يتمثل في صعوبة تحقيق التوازن بين التزامه بأهدافه الحزبية وبين مسؤوليته الوطنية تجاه المجتمع والدولة. فالإعلام الحزبي بطبيعته يسعى إلى الدفاع عن توجهات الحزب الذي يمثله، والترويج لبرامجه وسياساته، وكسب التأييد الشعبي لها، إلا أن هذه الوظيفة قد تؤدي في بعض الأحيان إلى تغليب المصالح الحزبية الضيقة على المصالح الوطنية العامة، خاصة في البيئات السياسية التي تتسم بالاستقطاب الحاد والتنافس السياسي الشديد.
في السياق العربي، برزت هذه الإشكالية بصورة أوضح خلال العقود الأخيرة، ولا سيما في ظل التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها المنطقة. فبدلًا من أن يكون الإعلام الحزبي عاملًا مساعدًا في تعزيز الوحدة الوطنية وترسيخ قيم المواطنة والانتماء، اتجهت بعض وسائله إلى تكريس الانقسامات السياسية والأيديولوجية، من خلال التركيز على القضايا الخلافية وتقديمها وفق رؤى حزبية ضيقة، الأمر الذي انعكس سلبًا على مستويات التماسك الاجتماعي والانسجام الوطني.
ومن أبرز التحديات التي تواجه الإعلام الحزبي في مجال المحافظة على الهوية الوطنية، تنامي ظاهرة الاستقطاب الإعلامي؛ إذ تميل بعض الوسائل الحزبية إلى تقديم الأحداث والقضايا الوطنية من منظور أحادي يتفق مع مصالح الحزب وأجندته السياسية. وينعكس ذلك في انتقاء المعلومات والأحداث التي تخدم مواقف الحزب، وتجاهل أو تقليل أهمية الوقائع التي قد تتعارض مع توجهاته، بما يؤدي إلى تقديم صورة غير متوازنة للواقع السياسي والاجتماعي. كما قد تلجأ بعض الوسائل إلى توظيف الخطاب الإعلامي في تعزيز الولاءات الحزبية أو الفئوية على حساب الهوية الوطنية الجامعة، وهو ما قد يسهم في تعميق الانقسامات داخل المجتمع.
ويتمثل تحدٍ آخر في غياب الحياد المهني والاستقلالية التحريرية في بعض وسائل الإعلام الحزبية، حيث تخضع السياسة الإعلامية والتحريرية في كثير من الأحيان لتوجهات القيادات الحزبية ومصالحها السياسية. ونتيجة لذلك، تصبح الرسالة الإعلامية جزءًا من استراتيجية الحزب السياسية، وتُصاغ وفق أهدافه وبرامجه، الأمر الذي قد يحد من قدرة الوسيلة الإعلامية على معالجة القضايا الوطنية بموضوعية وتوازن، أو على تبني خطاب إعلامي جامع يعزز الوحدة الوطنية ويخدم المصالح العليا للمجتمع.
كما تواجه وسائل الإعلام الحزبية تحديًا يتعلق بطبيعة الخطاب الإعلامي الموجه للجمهور، إذ إن التركيز المفرط على الصراعات السياسية والمنافسات الحزبية قد يؤدي إلى تراجع الاهتمام بالقضايا الوطنية المشتركة، مثل تعزيز الهوية الوطنية، وترسيخ قيم المواطنة، ودعم السلم الأهلي، والحفاظ على النسيج الاجتماعي. وفي ظل الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تشهدها بعض الدول العربية، تصبح الحاجة أكثر إلحاحًا إلى خطاب إعلامي يسهم في بناء الثقة بين مكونات المجتمع المختلفة، ويعزز الشعور بالانتماء للوطن بوصفه الإطار الجامع لجميع المواطنين.
ومن التحديات المهمة أيضًا تأثير البيئة الرقمية الحديثة ومنصات التواصل الاجتماعي في عمل الإعلام الحزبي. فقد أتاحت هذه المنصات فرصًا واسعة لانتشار الخطابات السياسية والإعلامية بصورة سريعة وعابرة للحدود، لكنها في الوقت نفسه أسهمت في زيادة حدة الاستقطاب الفكري والسياسي، ووفرت بيئة خصبة لتداول المعلومات المضللة والخطابات التحريضية. ومع سعي بعض وسائل الإعلام الحزبية إلى تحقيق أكبر قدر من الانتشار والتأثير، قد تُمنح الأولوية للمضامين المثيرة للجدل على حساب الرسائل الإعلامية التي تدعم التوافق الوطني والهوية الجامعة.
وعلى الرغم من هذه التحديات، فإن الإعلام الحزبي يمتلك إمكانات كبيرة يمكن توظيفها إيجابيًا في خدمة الهوية الوطنية إذا ما التزم بالمسؤولية الاجتماعية والمهنية. فبإمكانه أن يسهم في نشر ثقافة الحوار والتعددية السياسية، وتعزيز المشاركة المجتمعية، وترسيخ قيم المواطنة واحترام التنوع، شريطة أن ينظر إلى الهوية الوطنية بوصفها إطارًا جامعًا يعلو على الانتماءات الحزبية والفئوية.
وفي هذا السياق، لا ينبغي أن تُلقى مسؤولية المحافظة على الهوية الوطنية على عاتق الإعلام الحزبي وحده، بل يجب أن تكون مسؤولية مشتركة بين مختلف مؤسسات المجتمع. ومن الضروري تشجيع المبادرات الوطنية التي يقودها الإعلاميون والمثقفون والأكاديميون والمؤسسات المدنية المستقلة، بهدف وضع رؤى واستراتيجيات إعلامية تسهم في تعزيز الهوية الوطنية وترسيخ القيم المشتركة بين المواطنين. كما ينبغي العمل على إنتاج مضامين إعلامية مهنية وجاذبة تراعي التطورات التقنية الحديثة وتلبي احتياجات الجمهور، بما يضمن قدرتها على المنافسة والاستمرار في التأثير.
عليه، فإن نجاح الإعلام الحزبي في الإسهام بالحفاظ على الهوية الوطنية يتطلب تحقيق توازن دقيق بين حقه في التعبير عن توجهاته السياسية والحزبية، وبين التزامه بمسؤوليته الوطنية تجاه المجتمع. فكلما تمكنت وسائل الإعلام الحزبية من تبني خطاب إعلامي معتدل وموضوعي يضع المصالح الوطنية فوق الاعتبارات الحزبية الضيقة، ازدادت قدرتها على الإسهام في تعزيز الوحدة الوطنية، وترسيخ قيم المواطنة، والمحافظة على التماسك الاجتماعي في مواجهة التحديات.
رابعاً: آليات مقترحة لتطوير أداء وسائل الإعلام الحزبية في تعزيز الهوية الوطنية:
في ضوء التحديات التي تواجه وسائل الإعلام الحزبية في أداء دورها تجاه الهوية الوطنية، تبرز الحاجة إلى تبني رؤية إعلامية أكثر توازنًا تجمع بين الالتزام بالرسالة السياسية للحزب والمسؤولية الوطنية تجاه المجتمع. وتزداد أهمية ذلك في ظل التأثير الواسع الذي تمارسه هذه الوسائل على جمهورها، وما تتمتع به من قدرة على تشكيل الاتجاهات والقناعات والرأي العام. ومن ثم، فإن تطوير أداء الإعلام الحزبي بما يخدم الهوية الوطنية يتطلب الانتقال من المعالجات الظرفية والآنية إلى العمل وفق استراتيجيات إعلامية طويلة المدى تسهم في تعزيز الانتماء الوطني وترسيخ القيم المشتركة بين أفراد المجتمع.
وفي هذا الإطار، يمكن طرح مجموعة من المقترحات التي من شأنها الإسهام في رفع كفاءة الأداء الإعلامي الحزبي وتعزيز دوره في المحافظة على الهوية الوطنية، وذلك على النحو الآتي:
1- إنتاج مضامين إعلامية داعمة للهوية الوطنية: العمل على تصميم وإنتاج برامج ومواد إعلامية في مختلف الوسائط المطبوعة والإذاعية والتلفزيونية والرقمية، تهدف إلى تعزيز قيم المواطنة والانتماء والولاء الوطني، وترسيخ الوعي بالهوية الوطنية لدى مختلف فئات المجتمع.
2- تعزيز القيم الوطنية في الرسائل الإعلامية: تضمين الرسائل الإعلامية القيم الأساسية التي يقوم عليها المجتمع، وفي مقدمتها الحفاظ على وحدة الوطن وسلامة أراضيه، وتعزيز التماسك الاجتماعي، وترسيخ قيم المواطنة المسؤولة، والمحافظة على التراث الوطني المادي وغير المادي، وإبراز الإنجازات الوطنية بما يحقق التوازن بين الأصالة والانفتاح على العالم.
3- التركيز على القضايا المجتمعية المشتركة: توجيه الاهتمام الإعلامي نحو القضايا التي تمس حياة المواطنين ومصالحهم العامة، ومعالجتها من منظور وطني شامل بعيدًا عن الاعتبارات الحزبية الضيقة، مع الإسهام في مناقشة الحلول المناسبة للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، خاصة تلك المتعلقة بفئة الشباب.
4- دعم المقومات الثقافية للهوية الوطنية: الإسهام في تعزيز مكانة اللغة العربية، والحفاظ على الموروث الثقافي والحضاري، وإبراز القيم المشتركة التي تشكل أساس الهوية الوطنية، بما يعزز ارتباط الأفراد بثقافتهم وتاريخهم وتراثهم.
5- تطوير محتوى إعلامي وطني منافس: إنتاج برامج إعلامية مبتكرة تعكس الواقع الثقافي والحضاري للمجتمع، وتبتعد عن التقليد غير الواعي للنماذج الإعلامية الأجنبية، مع الاهتمام بالبرامج التعليمية والثقافية التي تُعرّف الأجيال بتاريخ الوطن وتراثه الحضاري وأهمية المحافظة عليه.
6- اعتماد استراتيجية إعلامية مستدامة للهوية الوطنية: عدم حصر الاهتمام بالهوية الوطنية في المناسبات والأحداث الوطنية فقط، بل جعلها محورًا ثابتًا في السياسة الإعلامية للمؤسسة، من خلال خطط وبرامج مستمرة تهدف إلى تعزيز الانتماء الوطني، وتسليط الضوء على النماذج الوطنية الناجحة، ورعاية المبدعين والموهوبين، والتعريف بالشخصيات التي أسهمت في خدمة الوطن وتاريخه.
7- الاستفادة الإيجابية من التطورات التقنية والثقافية العالمية: توظيف التكنولوجيا الحديثة والمنصات الرقمية في نشر الثقافة الوطنية وتعزيز حضورها محليًا ودوليًا، والانفتاح على الثقافات الأخرى بصورة متوازنة تقوم على التفاعل والتبادل المعرفي، مع المحافظة على الخصوصية الثقافية والهوية الوطنية العربية والاسلامية.
8- تبني مفهوم جامع للهوية الوطنية: تعزيز خطاب إعلامي يؤكد شمولية الهوية الوطنية لجميع مكونات المجتمع، بمختلف انتماءاتها الجغرافية والاجتماعية والسياسية والثقافية، بما يسهم في تعزيز قيم التعايش والتسامح والاندماج المجتمعي.
9- تعزيز المهنية والموضوعية الإعلامية: الابتعاد عن الخطابات الإعلامية القائمة على التمجيد أو التشويه أو الاستقطاب الحاد، والالتزام بالمعايير المهنية في نقل المعلومات وتحليل القضايا، بما يعزز ثقة الجمهور في وسائل الإعلام ويجعلها أكثر قدرة على أداء رسالتها الوطنية.
10- إرساء مواثيق شرف إعلامية داعمة للهوية الوطنية: العمل على إعداد مواثيق مهنية وأخلاقية تنظم العلاقة بين وسائل الإعلام والأحزاب السياسية ومؤسسات الدولة والمجتمع، بما يضمن احترام الثوابت الوطنية وتعزيز المصالح العليا للوطن، ويحد من توظيف الإعلام في إذكاء الانقسامات أو تعميق الاستقطاب المجتمعي.
عليه، فإن نجاح وسائل الإعلام الحزبية في الإسهام بالحفاظ على الهوية الوطنية يتطلب التزامًا مهنيًا وأخلاقيًا يوازن بين حقها في التعبير عن توجهاتها السياسية وبين مسؤوليتها تجاه المجتمع والدولة. كما أن تحقيق هذا الهدف يظل رهينًا بتكامل الجهود بين المؤسسات الإعلامية والتربوية والثقافية والسياسية، بما يسهم في بناء وعي وطني جامع قادر على مواجهة التحديات الراهنة والمستقبلية.
- النتائج:
توصلت الدراسة إلى مجموعة من النتائج المتعلقة بالتحديات التي تواجه الإعلام الحزبي في المحافظة على الهوية الوطنية، ويمكن إجمال أبرزها فيما يأتي:
ضعف التوازن بين البعد الحزبي والبعد الوطني:
أظهرت الدراسة أن وسائل الإعلام الحزبية تميل إلى إعطاء الأولوية للأهداف والتوجهات الحزبية على حساب مسؤوليتها الوطنية، الأمر الذي يحد من قدرتها على الإسهام الفاعل في تعزيز الهوية الوطنية وترسيخ القيم المشتركة داخل المجتمع.
تغليب المصالح الحزبية على المصالح العامة:
بينت الدراسة أن بعض وسائل الإعلام الحزبية تعالج القضايا والأحداث وفقًا لمصالح أحزابها السياسية، من خلال التركيز على ما يدعم مواقفها وتوجهاتها، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع الاهتمام بالقضايا الوطنية الجامعة التي تمس مصالح المجتمع ككل.
تعزيز الاستقطاب على حساب التماسك الاجتماعي:
كشفت الدراسة أن الخطاب الإعلامي الحزبي يتجه في كثير من الأحيان إلى إبراز الخلافات السياسية والصراعات بين الأطراف المختلفة، مع تركيز محدود على القضايا المرتبطة بتعزيز الوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي، الأمر الذي قد يسهم في تعميق حالة الاستقطاب داخل المجتمع.
ترسيخ الهوية الحزبية أكثر من الهوية الوطنية:
أوضحت النتائج أن الإعلام الحزبي يركز بصورة رئيسة على تعزيز الانتماء للحزب والترويج لأهدافه وبرامجه السياسية، من خلال توظيف الرسائل الإعلامية لخدمة أجنداته الخاصة، في حين يتراجع الاهتمام بتعزيز الهوية الوطنية الجامعة وترسيخ قيم المواطنة والانتماء المشترك.
قصور الدور التوعوي للإعلام الحزبي في مجال الهوية الوطنية:
أظهرت الدراسة أن وسائل الإعلام الحزبية لم تؤدِّ الدور المأمول منها في مجال التوعية المجتمعية بأهمية الهوية الوطنية والمحافظة عليها، سواء على مستوى جمهورها الحزبي أو على مستوى المجتمع بصورة عامة، الأمر الذي يحد من مساهمتها في مواجهة التحديات التي تستهدف الهوية الوطنية في البيئة العربية المعاصرة.
ترسيخ الهوية الحزبية أكثر من الهوية الوطنية:
بينت الدراسة أن التوجهات الفكرية والسياسية للأحزاب تنعكس بصورة مباشرة على السياسات التحريرية لوسائلها الإعلامية، وهو ما يؤثر في مستوى الموضوعية والتوازن في معالجة القضايا الوطنية ذات الصلة بالهوية والانتماء.
الحاجة إلى تطوير خطاب إعلامي وطني جامع:
أكدت النتائج أهمية إعادة توجيه الخطاب الإعلامي الحزبي نحو تبني مقاربات أكثر شمولًا وتوازنًا، تراعي المصالح الوطنية العليا وتسهم في تعزيز قيم المواطنة والوحدة الوطنية إلى جانب حق الأحزاب في التعبير عن رؤاها السياسية.
- التوصيات:
في ضوء نتائج الدراسة، يوصي الباحث بما يأتي:
تعزيز التعاون بين وسائل الإعلام الحكومية، والحزبية، والخاصة، ومؤسسات المجتمع المختلفة لترسيخ قيم المواطنة والانتماء والمحافظة على الهوية الوطنية.
تطوير برامج إعلامية وتوعوية تستهدف فئة الشباب والنشء، بما يسهم في تعزيز اعتزازهم بهويتهم الوطنية وتنمية وعيهم بحقوق الوطن وواجباتهم تجاهه.
توجيه اهتمام أكبر من قبل وسائل الإعلام الحزبية نحو القضايا الوطنية الجامعة، وفي مقدمتها الوحدة الوطنية، والتماسك الاجتماعي، وقيم المواطنة والشراكة المجتمعية، مع تجنب الخطابات التي تعزز الاستقطاب أو الانقسامات الفئوية والحزبية.
توظيف المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي في نشر المحتوى التوعوي الهادف إلى تعزيز الهوية الوطنية، ومواجهة المعلومات المضللة والدعوات التي تهدد وحدة المجتمع وتماسكه.
دعم المبادرات التدريبية والتثقيفية التي تنفذها الجامعات، ومنظمات المجتمع المدني، بهدف رفع الوعي الإعلامي لدى الجمهور وتعزيز قدرته على التمييز بين القيم الوطنية الأصيلة والتأثيرات الثقافية الوافدة.
تشجيع وسائل الإعلام الحزبية على تبني خطاب إعلامي مهني ومتوازن يحقق التوافق بين الأهداف الحزبية والمسؤولية الوطنية، ويسهم في حماية الهوية الوطنية وتعزيز الاستقرار المجتمعي
المراجع:-
الجحدري، أحمد مسعد (2025). معالجة القنوات الفضائية الحزبية للأزمة اليمنية ودورها في تشكيل الرأي العام المحلي. اطروحة دكتوراه (غير منشورة). لبنان: جامعة بيروت العربية، كلية الآداب.
الجراري، عباس بن عبد الله (2013). الهوية الوطنية والجهوية. المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو ). مج 28، ع 29. ص 66- 76.
السيد، حسن عبد الرحيم؛ الانصاري، ماجد محمد؛ وترانج، كين؛ وآل ثاني، مريم علي(2019). مؤتمر الهوية الوطنية. معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسيحية. قطر: الدوحة، جامعة قطر.
الصلال، بدر حمد (2012). دور الفضائيات الكويتية الرسمية والخاصة في تعزيز المواطنة لدى الشباب الكويتي. رسالة ماجستير (منشورة). الأردن: جامعة الشرق الأوسط، كلية الإعلام.
أبو ضهير، فريد؛ أردنية، تقوى (2023). أثر مواقع التواصل الاجتماعي في تعزيز الهوية الوطنية لدى طلبة جامعة النجاح الوطنية. فلسطين: جامعة النجاح الوطنية.
طومان، أمل عبد الهادي (2010). وسائل الإعلام الفلسطيني وأثرها في الانقسام السياسي. رسالة ماستر (منشورة). فلسطين: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، قسم العلوم السياسية، جامعة الأزهر.
عبد الباقي، محمد (2023). التطرف وصراع الهويات: الهوية الوطنية مفتاح الحل. https://2u.pw/xQvZJTq0
العبد القادر، بدر بن علي (2018). الانتماء إلى الوطن وأثره في حماية الشباب من الانحراف. السعودية: واجب الجامعات السعودية في حماية الشباب من الجماعات والأحزاب والانحراف، ورقة قدمت في مؤتمر جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
عبده، عزيزة (2004). الإعلام السياسي والرأي العام: دراسة في ترتيب الأولويات (ط.2). القاهرة: دار الفجر للنشر والتوزيع.
عشراني، سليمان (2002). الشّخصية الجزائرية: الأرضية التاريخية والمحددات الحضارية (د. ط). الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية.
عكاشة، محمود (2007). خطاب السلطة الإعلامي نحو تجديد لغة الخطاب (ط2). القاهرة: دار المعرفة للطباعة والنشر.
الغفيلي، فهد بن عبد العزيز (2022). تعزيز الهوية الوطنية في إعلام الطفل (ط.2). الرياض: دار المجد للنشر والتوزيع.
فنان، جمال (1994). قضايا ودراسات في التاريخ الجزائر الحديث والمعاصر (د. ط). الجزائر: روبية، المؤسسة الوطنية للاتصال والنشر.
قادر، ابتسام؛ وحميد حكيم؛ باظي أحمد؛ وفؤاد علي أحمد(2015). أراء القائمين بالاتصال حول واقع الإعلام الحزبي في كوردستان العراق. العراق: الجامعية المستنصرية كلية الآداب، مج 2015،ع69.ص385-417.
القاعود، إبراهيم عبد القادر؛ القاعود، رياض صالح (2017). المخاطر التي تهدد الهوية الوطنية من وجهة نظر أعضاء هيئة لتدريس في جامعة اليرموك وكيفية التصدي لها. الجزائر: المركز الجامعي غليزان، مجلة الرواق، مج/ع 9. ص. 55- 76.
كيشانة، محمود (2017). الهوية الثقافية بين أزمة الإعلام وتحديات العولمة. سلطنة عمان: وزارة الاوقاف والشئون الدينية. مج 15، ع 57،58. ص 317- 332.
الهمص، عبد الفتاح؛ وشلدان، فايز (2009). الابعاد النفسية والاجتماعية في الترويج الإشاعات عبر وسائل الإعلام وسبل علاجها من منظور اسلامي. مجلة الجامعة الإسلامية. مج8، ع2. 145-174.
وهيبة، مجد (2022). الحافة الحزبية 1918- 1963. تركيا: المجلة السورية للعلوم الإنسانية، مج 2022، ع 21. ص 69-92.
Anna, Triandafyllidou (1998). National identity and the `other’.Ethnic and Racial Studies. Vol 21, no 4. p 593-612.
Broockman, David E.& Kalla Joshua L. ( 2022). The manifold effects of partisan media on viewers’ beliefs and attitudes: A field experiment with Fox News viewers.
Grotenhuis, René (2016). Nation-Building as Necessary Effort in Fragile States. Published by: Amsterdam University.
Henri, Tajfel (1981). Human Groups and Social Categories. UK: Cambridge University Press.
Husamettin Inac. (June, 2013). The Construction of National Identity in Modern.
https://www.researchgate.net/publication/274442103
Lazic, mladen& peši, jelena(2016). components of national identities : a comparative sociological analysis. corvinus journal of sociology and social policy. Vol7,no1 .p 27-49.
Long, Jacob& Eveland, William & Slater, Michael (2019). Partisan media selectivity and partisan identity threat: The role of social and geographic context. Mass Communication and Society. Vol 22,no 2. p145-170.
Plakhotnik S. Maria & Rocco S. Tonette (2011). National Identity as a Source of Knowledge: Implications for Adult Education. Adult Education Research Conference.Conference Proceedings (Toronto, ON,Canada). Florida International University.
Psarrou, Eleni (2014). National Identity in the Era of Globalisation. Submitting for the award of PhD at the London School of Economics Government Department.
Riedler, Martina (2023). A Critical Analysis of the Concepts of Identity, Nation, Nationalism in Museum Studies. Canakkale Onsekiz Mart University.Vol18, No3.p 8- 20.
Stro¨mba¨ck,Jesper& Aelst, Peter Van(2013). Why political parties adapt to the media. The International Communication Gazette. Vol 75,no 4, p 341–358.
Vignoles, L Vivian (2017). Identity: Personal AND Social (2nd ed). Publisher: Oxford University, University of Sussex.
Windari, Tri (2021). National Identity Attachment and Its Variables. Journal of International Women’s Studies. Vol 22, No 3.p 81- 95.
Conflict of Interest: The author(s) declare that they have no financial, personal, or professional interests that could have influenced the design, conduct, results, or interpretation of this research. sign, conduct, results, or interpretation of this research. |
Disclaimer / Publisher’s Note: The views, ideas, conclusions, and data expressed in the published articles are solely those of the respective authors and contributors and do not necessarily reflect the views of the University Forum Journal for Humanities and Applied Studies (UFJHAS), the Editorial Board, or the publisher. The Journal, the Editorial Board, and the publisher disclaim any responsibility for any errors, damages, or consequences arising from the use of the information, ideas, methods, procedures, or recommendations presented in the published article. |